النقد الذاتي لدى الإخوان حنين لزمن المؤسس وسطحية في التناول

الجمعة 2014/03/14
تمكن الشعب المصري من كشف مؤامرة الإخوان

تحدث دائما داخل كلّ التيارات الفكرية والسياسية مراجعات تمسّ المنهج والأسلوب، وفي حالة الجماعة الإخوانية تغيب هذه المراجعات وإن حصلت فتخرج ناعمة ولا تطال عمق الفكر الاخواني. بل تستثني مرحلة أحيطت بهالة من «تقديس» وهي مرحلة المؤسس حسن البنا. فكل سهام النقد التي وجهتها قيادات تجاسرت على مغادرة القلعة الإخوانية كانت تسدد إلى مرحلة ما بعد البنا، وتعتبر أن الانزياح حصل تحديدا بعد وفاة “الإمام الشهيد” ولم تنتبه إلى أن بذرة التأسيس كانت بدورها «إخوانية ومتشددة».

بعد نحو نصف قرن على استنبات إسرائيل في الأرض العربية، استطاع “المؤرخون الجدد” أن يعيدوا النظر في الرواية الصهيونية الرسمية، ويسموا الأشياء بمُسمّياتها. راجع هؤلاء المؤرخون أرشيفهم، وشهادات الفلسطينيين الذين أجبروا على التهجير، بقوة السلاح والإرهاب، وامتلكوا شجاعة نقد الرواية الرسمية ونقضها، فأدركوا أن “حرب الاستقلال” لها اسم آخر، أكثر دقة وصدقا، هو “النكبة الفلسطينية”.

بعد 86 عاما على تأسيس جماعة الإخوان المسلمين، لا نجد خارجا منها أو عليها، مطرودا أو بإرادته، من يملك شجاعة البحث الحر في الرواية الإخوانية الرسمية، بل إن هناك نوعا من الحنين إلى ذكرى مؤسس الجماعة، ولوم من يقال إنهم اختطفوا الجماعة إلى طريق مهّدَهُ سيد قطب، في إهدار واضح لقيمة الشجاعة على الاعتراف بأنّ حسن البنا أكثر خطورة على القيم الإنسانية والوطنية من سيّد قطب.


في البدء كان التنظيم السري

على سبيل المثال، مر 61 عاما على اغتيال سيد فايز، ابن التنظيم السري، الميليشيا التي أسسها البنا ولم تستهدف إلا المصريين، ولا يعثر الباحث على الحقيقة. يسجل الموقع الإلكتروني الرسمي للإخوان أن فايز قتل يوم 20 نوفمبر 1953، “بواسطة صندوق من الديناميت وصل إلى منزله على أنه هدية من الحلوى بمناسبة المولد النبوي، وقد قتل معه بسبب هذه الحادثة، شقيقه الصغير البالغ من العمر تسع سنوات وطفلة صغيرة كانت تسير تحت الشرفة اـلتي انهـارت نتيجــة الانفجار”.

قتل سيد فايز على يد تنظيم سري هو أحد جنوده، مجرد خلاف إخواني – إخواني ينتهي بالدم، فبالبيعة بحسب حسن البنا هي السيطرة على أعضاء يراهم كـ “القطيع”، وأول أركان البيعة “السمع والطاعة والثقة في القيادة”.

للإخوان دين، ولنا دين لا يحث على قتل من نختلف معهم، ولذلك فليس الإخوان، جماعة من المسلمين

يقول محمود الصباغ عضو المجلس الأعلى للتنظيم الخاص إنّ من نصوص لائحة التنظيم الخاص الذي أسسه عبدالرحمن السندي: “أية خيانة، أو إفشاء سر بحسن قصد، أو بسوء قصد، يعرض صاحبه للإعدام وإخلاء سبيل الجماعة منه، مهما كانت منزلته، ومهما تحصّن بالوسائل، واعتصم بالأسباب التي يراها كفيلة ببقائه على قيد الحياة”. (محمود الصباغ: حقيقة التنظيم الخاص).


الحنين إلى البنا

أمامي تجربتان في الحنين، تدلاّن على استحالة أن يظهر في هذا الجيل على الأقل، إخوان جدد، أو مؤرخون جدد، لديهم القدرة على إعادة النظر، بما يملكون من أدوات بحثية، وشهادةٍ من يكتمها فإنّ قلبه آثم:

أولاهما لثروت الخرباوي الذي يزعم أن “الإخوان جماعة دعوية ضلّت طريقها إلى السياسة، زعمت أنها تريد أن تصلح السياسة بالدين فأفسدت دينها بالسياسة”. لم يذكر متى مارس الإخوان الدعوة؟ ولكن أصدق ما قاله كلمة “دينها”، فللإخوان دين، ولنا دين سمح لا يحث على قتل من نختلف معهم من أمثال سيد فايز.

الخرباوي يصف حسن البنا بأنه “الإمام الشهيد”، ويقول إنه بعد وفاة عمر التلمساني عام 1986، “كان أخطر من حطّوا رحالهم في مصر هم؛ محمد مرسي، خيرت الشاطر، محمود عزت، محمد بديع. كانت وجوه هؤلاء غريبة على مجتمع الإخوان”. (ثروت الخرباوي: سر المعبد.. الأسرار الخفية لجماعة الإخوان المسلمين).

كلام القيادي الإخواني المنشق يوجه القارئ للحنين إلى حسن البنا، إلى ما قبل عمر التلمساني، وكأن الجماعة كانت شعب الله الطيب، قبل أوغاد اختطفوها في معالم طريق سيد قطب!

التجربة الثانية التي أستحضرها الآن، بطلها كمال الهلباوي الذي نال الدكتوراه في الفكر الاستراتيجي من جامعة باكستان عام 1983، وكان عضوا بمكتب الإرشاد، ومتحدثا باسم الجماعة في الغرب، ثم استقال عام 2012.


"نقد ذاتي" انتقائي


سأعتمد هنا على كتاب الهلباوي “رئيس انتقالي.. ثورة مستمرة”، الذي صدر قبل أيام، وفيه يرى أن اشتغال “الإسلاميين” في العمل السياسي يعدّ من أسباب التخبط في المرحلة الانتقالية، لأنهم جاءُوا من المجال الفقهي “إلى العمل في السياسة بهذا الفقه البدوي”، الذي يحتوي على اختلافات بين الفقهاء في كثير من القضايا، وإن “المشروع الإسلامي نفسه متعدد الجوانب، وبين أصحابه فروق هائلة في فهم المشروع والشريعة”، ولم يقدم تعريفا للمشروع ولا للشريعة.

إذا جاز لي وصف الهلباوي، فهو أقرب إلى حصان طروادة، يقول كل شيء ولا يقول شيئا. خذ عندك: “الإسلام كما فهمه الإمام البنا يرحب بالصالح النافع من كل شيء”، وهذا كلام كالكلام، كأن أحدا يمكن أن يختلف على تعريف الماء بالماء.

ويسجل أن محمد مرسي “ينتمي إلى مدرسة دعوية أخلاقية، من المفروض أن يكثر أعضاؤها عند المغرم ويقلون عند المغنم، ويعملون للناس في سبيل الله أكثر ما يعملون لأنفسهم، وهم ـ كما وصفهم الإمام حسن البنا؛ رهبان بالليل وفرسان بالنهار”.

يحضر طيف البنا في فصول الكتاب الذي يمتدّ على 217 صفحة، وعنه يقول الهلباوي: “لا أمل من كثرة الاستشهاد بالكلام المنضبط للإمام البنا”. ولكنه لا يناقش كيف زرع البنا في أتباعه روحا عنصرية تجاه غير المسلمين، بل تجاه غير الإخوان.

إن دول الربيع العربي ستكون على الطريق الصحيح، حين تنهي الحكم الاستبدادي، أي أن تقطع مع الإخوان

في هذا الشأن قصة مشهورة بطلها الشيخ الغزالي، حيث ترك الجماعة عام 1951، مستنكرا أن يعتبر الإخوان أنفسهم “جماعة المسلمين”، أضف إلى العنصرية أيضا موقف البنا الرجعي من المرأة، وقد ذكره في مجلة “الإخوان المسلمون” في يوليو 1947: “يعتبر منح المرأة حق الانتخاب ثورة على الإسلام وثورة على الإنسانية، وكذلك يعتبر انتخاب المرأة ثورة على الإنسانية بنوعيها، لمناقضته لما يجب أن تكون عليه المرأة بحسب تكوينها ومرتبتها في الوجود، فانتخاب المرأة سبة في النساء ونقص ترمى به الأنوثة”.

في الكتاب يقول الهلباوي، ومعه الحق، إن دول الربيع العربي ستكون على الطريق الصحيح، حين تنهي الحكم الاستبدادي، وتتحرر من “الهيمنة الخارجية”، ويرى أيضا أن “أميركا ليست هيئة خيرية وليست صناديق التمويل والاستثمار التابعة لها كذلك… الدور الأميركي في المنطقة .. مشبوه”، وكان عليه أن يناقش قضايا تاريخية مثيرة للشكوك، منها دعوة سعيد رمضان زوج ابنة حسن البنا إلى البيت الأبيض عام 1953.

ويوثق موقع “ويكيبيديا الإخوان المسلمون” بالصور مقابلة الرئيس الأميركي أيزنهاور لرمضان، بحضور عدد من “العلماء الإسلاميين والقادة المدنيين معظمهم من البلدان الإسلامية، لدراسة حقيقة أميركا وموقعها من الشعوب الإسلامية والإسلام وهل أنّها شعب مؤمن مثل الشعوب الإسلامية”.

ولا أظنّ البنا ورمضان كانا غافلين، يحسنان الظّنّ بالأميركان، لكي يكلفهما الله بمعرفة درجة إيمان الشعب الأميركي.

روائي مصري

13