النقد الصحافي

الثلاثاء 2017/09/26

أدى انتشار الصحافة الثقافية العربية منذ خمسينات القرن الماضي إلى بروز النقد الصحافي الذي يلبّي حاجة هذه الصحافة، ويتناسب مع المساحة المحددة التي تتيحها له. وكان طبيعيّا أن يؤدي تعاظم دور الصحافة في العقود التالية إلى اتساع دور هذا النقد في الحياة الثقافية، ما ساهم في انتشار الكثير من الأسماء والتجارب الأدبية المعروفة.

وهكذا أصبح النقد الصحافي فاعلا مهما ومؤثرا في الحياة الثقافية، لم يقتصر دوره على مراجعة ونقد الأعمال الأدبية، بل كان منبرا اساسيا في المعارك الأدبية التي شهدتها الحياة الثقافية سواء بين أنصار الحداثة وأنصار التقليد، أو بين أنصار قصيدة التفعيلة وأنصار قصيدة النثر.

لكن وعلى الرغم من أهمية هذا الدور الذي لعبه في الحياة الثقافية، فإن ظواهر سلبية عديدة رافقت مسيرته، تمثلت في محاولة تغليب التوجهات الفكرية والأيديولوجية على حساب القيمة النقدية والأدبية، ما أدى إلى غياب التعددية في الرؤية، واستسهال الكتابة النقدية من قبل الكثيرين.

لقد لعب مثقفو الأيديولوجيات والتيار الليبرالي الذين سخّروا الصحافة الثقافية لخدمة مشروعهم الخاص دورا أساسيا في تكريس هذا الواقع، رغبة في التحشيد وكسب المزيد من الأنصار بغض النظر عن القيمة النقدية لما كانوا يكتبونها في قضايا الأدب والفن، حتى تحوّل كثير من هذه الكتابات إلى شبه قراءة سياسية أو فكرية، أدت إلى تعويم المضمون على حساب القيمة الأدبية للعمل.

وهكذا أسهمت هذه الممارسات في غياب الاهتمام الجدي بتطوير هذه التجربة، على الرغم من عمرها الطويل نسبيا. إن المسؤولية هنا يتحملها المسؤول والكاتب معا، بسبب تغليب المصلحة والفكر على حساب الإبداع والقيمة النقدية، ما أدى إلى غياب التقاليد والنزاهة عن هذه التجربة الطويلة.

ومما ساهم في تكريس هذا الواقع ملكية الدولة المباشرة أو شبه المباشرة لهذه الصحافة، وكذلك صحافة الأحزاب. جميع هذه الجهات عملت على تغليب اعتباراتها السياسية على حساب القيمة الأدبية والجمالية للعمل الأدبي. الفضيحة التي كشفتها الوثائق الأميركية حول تمويل جهاز المخابرات الأميركية لمجلة شعر اللبنانية قبل نصف قرن، يكشف عن حقيقية هذه التوجهات وتأثيرها على تكوين ذائقة القارئ ووعيه الجمالي.

إن تراجع دور الصحافة الثقافية وانحسار المساحة المخصصة لها في الصحافة الرسمية والخاصة أدى إلى تراجع كبير في دور النقد الصحافي وتأثيره في الحياة الثقافية العربية. لكن ظهور وسائط النشر الإلكترونية لعب دورا كبيرا في ملء هذا الفراغ، لكن دون أن تتمكّن من تجاوز العثرات التي وقعت فيها الصحافة الثقافية الورقية وما زالت.

كاتب سوري

15