النقد المزدوج

يمكن القول إن أهم بعد إيجابي أفرزته هزيمة 1967 وذيولها النفسية، هو تزامن طور الإنتاج الثقافي والفكري مع وضع هذا الإنتاج على محك النقد.
الجمعة 2018/03/02
النقد الذاتي يشترط صنع مسافة فاصلة بين ذواتنا وبين الإنتاج الثقافي والفكري 

منذ هزيمة عام 1967 اشتدت الدعوة إلى ممارسة نقد الذهنية العربية التي تأسست عليها مجتمعاتنا المتخلفة، وفي هذه الفترة بالذات برزت اتجاهات نقدية تتناول دور المثقف في تحديث مجتمعاتنا وتشكيل وعينا الثقافي والحضاري، وفي هذا السياق خصص عدد من دارسينا ونقادنا وقتا طويلا لدراسة التراث العربي الإسلامي الذي انقسمت بشأنه آراء النقاد حيث هناك من اعتبره المسؤول المباشر عن تكلس مجتمعاتنا، وهناك أيضا من دافع عنه معتبرا إياه صمام أمان لهوياتنا المعاصرة.
يمكن القول إن أهم بعد إيجابي أفرزته هزيمة 1967 وذيولها النفسية، هو تزامن طور الإنتاج الثقافي والفكري مع وضع هذا الإنتاج على محك النقد. ولا شك أن هذه الخطوة هي التي ساعدت على تشجيع ولادة ما يسمى بالنقد الذاتي الذي يشترط صنع مسافة فاصلة بين ذواتنا وبين الإنتاج الثقافي والفكري أولا.
لقد تميزت الكتابات النقدية التي أنتجت في الفترة الزمانية التالية للهزيمة المذكورة آنفا بهاجس المراجعة الصارمة لنموذج الحداثة ولنموذج التراث، ومن الملفت للنظر أن نقد هذين النموذجين قد أخذ شكل ندب الذات في الكثير من الأحيان.
يلاحظ الناقد حليم بركات في كتابه المهم “الهوية: أزمة الحداثة والوعي التقليدي” أن الناقد محمد عابد الجابري، مثلا، ينطلق في محاولته للكشف عن الأبنية المكرسة لظاهرة التخلف في مجتمعاتنا من فرضية تؤكّد أن “كلاَ من نمودج المعاصرة أو الحداثة والنموذج التراثي مفروض علينا ولا نملك حرية الاختيار”، وجراء ذلك فإن قوة النقد الفكري في تقديره ينبغي أن توجه إلى تفكيك “مشكلة الازدواجية التي تطبع كل مرافق حياتنا المادية والفكرية” ثم العمل بجدية من أجل تخليص الذهنية العربية منها.
إلى جانب مقترح الجابري هذا هناك مقترح آخر طرحه الناقد المغربي عبدالكبير الخطيبي ويتمثل في مشروع “النقد المزدوج” الذي خصص له كتابا كاملا يحمل هذا العنوان بالذات حيث يدعو الخطيبي إلى تفعيل هذا النوع من النقد لكل من النموذج الغربي وللنموذج التراثي العربي الاسلامي بهدف إنجاز “حركة مزدوجة تتجاوز الإعادة والتكرار وتتوصل إلى معرفة أقل استلابا وأكثر تكيّفا مع خصوصيات المجتمع العربي”.
لا شك أن حليم بركات يدرك أن هذه الازدواجية تبقى محدودة ومتوازية إذا اختزلت تعسفيا وجمدت في الثنائية المذكورة ولذلك يفترض أن هناك مشكلة خطيرة و”تشمل الانفصال بين الثقافة الرسمية مقابل الثقافة الشعبية، والثقافة السائدة مقابل الثقافات المتعددة والمضادة”. والحال أن ثنائيات حليم بركات في حاجة هي أيضا إلى تفكيك لأن أجزاء من الثقافة الشعبية عندنا لا تقل تخلفا ومعاداة للتحرر عن الثقافة السائدة الرسمية.

15