النقد النفسي

الثلاثاء 2017/07/11

النقد النفسي من أكثر النظريات النقدية الوافدة التي لم تستطع أن ترسي تقاليدها في الممارسة النقدية العربية الحديثة لأسباب كثيرة. من أهم هذه الأسباب أنه دخل حياتنا الثقافية في مرحلة كانت فيها تيارات النقد الاجتماعي والواقعي الاشتراكي تعيش مرحلة ازدهارها.

ارتبط ذلك بالعلاقة الوثيقة التي كانت قائمة بين الأدب والأيديولوجيا والسياسة في تلك المرحلة.

لكن العامل الأهم في أسباب عدم انتشاره وديمومته يكمن في تركيزه على الطابع التحليلي النفسي لشخصية المبدع، وتأويل الكتابة في ضوء معطيات نظريات التحليل النفسي التي تعنى بدراسة الغرائز الجنسية والمكبوتات والدوافع اللاشعورية.

هذا الدخول في الجانب الخاص والعميق من شخصية الكاتب أو الشاعر، وضع الناقد في موقف حرج نظرا للاعتبارات الاجتماعية والأخلاقية التي تفرض نفسها على مجتمعاتنا.

إن الدخول في هذه المنطقة المعتمة من النفس والكشف عن تجليات العلاقة بينها وبين الكتابة كانا يعدان من المحظورات الاجتماعية، إضافة إلى أن الوصول المتأخر للنقد النفسي إلينا جعله يضيع وسط زحام الجدل الذي كان دائرا بين أصحاب نظريات الالتزام في الأدب والداعين إلى حرية الفن ما جعل التركيز على ذات المبدع في العملية الإبداعية يشكل خيانة للواقع.

إن هذه الأسباب الفكرية والسياسية والاجتماعية هي التي لعبت دورا مهما في محدودية الإقبال على تبني هذا المنهج، ولذلك تعد الأسماء النقدية التي ظهرت في عالم النقد النفسي محدودة، كان أهمها الدكتور عزالدين إسماعيل والعقاد وجورج طرابيشي.

بالمقابل فإن رواية تيار الوعي التي تحاول أن تقدم صورة العالم من خلال العالم النفسي أو تيار الشعور الخاص بشخصيات أبطال الرواية، لم تستطع هي الأخرى أن تجد الصدى المطلوب لها في الرواية العربية للأسباب السابقة، إضافة إلى متطلبات الجرأة عند الروائي في مقاربة هذه التجربة النفسية من خلال استخدام المنولوج الذاتي لإبراز انعكاسات الوقائع الخارجية للعالم على عالم الشخصية الداخلي.

لقد كانت هذه المغامرة تستدعي من الكاتب الإلمام بأطروحات نظريات التحليل النفسي وتعبيراتها النفسية. كل هذا جعل الكاتب والناقد معا يتجاهلان المعطيات العلمية لهذا العلم، مركزين على قضايا الواقع الاجتماعية والسياسية بدلا من قضايا الفرد.

وما ساهم في محدودية الممارسة على هذا المستوى أيضا التباين في التحديات التي كان يواجهها الواقع والإنسان العربي مقابل الأزمة التي كان يعيشها الفرد في المجتمعات الغربية.

على الرغم من كل هذا استخدمت الرواية العربية في تقنياتها المنولوج والديالوج معا بهدف استبطان العالم الداخلي لشخصيات أبطالها والكشف عن انعكاسات الواقع وإحباطاته النفسية وتأثيرها على علاقته بالواقع سلبا أو إيجابا.

كاتب سوري

15