النقد مشروع تمرد

"الناقد الرسمي" يكتب وعينه على "المنصب"-أي منصب- حتى لو كان منصبا شرفيا لا قيمة له، لكنه يمنحه "الاعتراف" الرسمي الذي يتوق إليه ويعشقه ومن دونه لا يشعر بأنه موجود.
الأربعاء 2019/02/20
"الناقد المستقل" يحاول أن يفك بعض ألغاز الفن السينمائي وأسراره وسحره

في النقد السينمائي لدينا نوعان من النقاد: الناقد المستقل والناقد الرسمي. الأول يكتب دون أي اعتبارات لإرضاء “المؤسسة” والقائمين عليها، والمقصود بـ”المؤسسة” الجهات التي تتحكم في العملية السينمائية والثقافية على الصعيد الرسمي أو على مستوى مؤسسات الإنتاج والتوزيع والعرض وجماعات السينمائيين الذين تجمعهم مصالح معينة، بل تحول معظمهم في بلاد العرب إلى شلل لتبادل المنافع أيضا على غرار شلل وميليشيات الصحافيين من جماعة تبادل المصالح الذين تمتلئ بهم عادة مهرجانات السينما العربية، والذين يجلسون على شاطئ البحر (في المهرجانات البحرية)، أو في ردهات الفنادق في المهرجانات (الداخلية) تأكلهم الغيرة مما حققه هذا أو ذاك من نجاح من خارج محيط شللهم البائسة، وهي ظاهرة يلاحظها الجميع ويغضون الطرف عنها.

أما “الناقد الرسمي”، فهو يكتب وعينه على “المنصب”-أي منصب- حتى لو كان منصبا شرفيا لا قيمة له، لكنه يمنحه “الاعتراف” الرسمي الذي يتوق إليه ويعشقه ومن دونه لا يشعر بأنه موجود.

وقد رأينا كيف وصل مثل هذا الناقد “الرسمي” في وقت ما، إلى مناصب نافذة -في المشرق وفي المغرب- أتاحت له فرصة “إرضاء” الكثيرين وتوزيع “المنافع″ و”العطايا” عليهم، خاصة أهل الصحافة من القابلين للارتشاء بوجه خاص، فأصبح “معبودا” عندهم، يكيلون له ليلا ونهارا عبارات الثناء الفارغ. وهناك الناقد الرسمي الذي يلعب في حضن “المؤسسة” فعلاقاته بمن يسمونهم “الفنانين” مكشوفة، ولكن ماذا يمكن أن يكتب هو عن أفلام “الفنانين” و”الفنانات” الذين يحضرون ويرقصون ويرقص معهم في حفلاته الخاصة في الزواج والميلاد والطلاق والهلس، والذي منه؟

أما “الناقد المستقل” فهو يكتب من دون حسابات، ليس هدفه لا أن يرضي أو يغضب أحدا، بل أن يعبر عن “رؤيته” الخاصة في العمل السينمائي وأن يفهم الفن السينمائي أكثر، ويحاول أن يفك بعض ألغازه وأسراره وسحره.

ويمكن للناقد المستقل أن يتولى قيادة عمل له علاقة بالثقافة السينمائية، لا في مجال “تصليح السيناريوهات” مثلا، لكنه لا يتخلى عن دوره كناقد سواء وهو في المنصب أو بعد أن يتركه، وليس كما يحدث عندما “يتقاعد” الناقد عن مهمته الأساسية إكراما للمنصب، ورضوخا لمن منحوه إياه.

والنقد عموما مشروع تمرد على الثقافة السائدة، فهو يريد تغييرها، بل ويحلم أيضا بتغيير العالم، أي تغيير ما فيه من قبح من خلال السينما والفنون العظيمة الإنسانية، لذلك فهو ينشغل بالبحث عن الجديد ومذاهب التجديد ويوليها ما تستحقه من دراسة، لا يكرس السائد المتخلف ويمجده، بل يريد أن يهدمه فالسينما السائدة جزء من الثقافة السائدة، ثقافة التضليل والتطبيل وأبلغ دليل على أفلام التطبيل هي أفلام المناسبات التي يقال لها “الوطنية”، وهي مناسبات تخص السلطة القائمة أساسا ولا تخص الشعب فمحظور على السينما الاقتراب من الاحتفال مثلا بالثورات الشعبية الحقيقية.

الناقد بهذا المعنى هو متمرد أو حتى ثائر على الثقافة السائدة الاجتماعية والسياسية والدينية.. الخ، وليس من الممكن لناقد حقيقي مستقل سواء من اليمين أو من اليسار، أن يكون متوائما متماثلا مع السلطة، فناقد اليمين الحقيقي يدافع عن القيم الليبرالية وعن ضرورة إتاحة الحرية للجميع، وناقد اليسار ينتصر للجديد، الثوري في الفن وفي الفكر، لكن الناقد المدلس المداهن يدافع عن السلطة، لأنه لا يستطيع أن يوجد خارجها بل يظل دائما يدور في فلكها، لذلك فهو ليس مثقفا حقيقيا بل متطفل على الثقافة.

هناك أخيرا الناقد “المسلياتي” وهو مثل المخرج المسلياتي، الذي لا يرى في غير سينما التسلية شيئا جديرا بالكتابة عنه، فهو مثله مثل الراقص في الحلبة، ولكنه مسلياتي ثقيل الظل، سليط اللسان، ضعيف اللغة، تافه الحجة، يترمم على الأحداث والظواهر والمهرجانات، يبحث عن أي فرصة لإثبات وجوده، لكنه يعاني بسبب عدم تحققه واحتقار المثقفين له!

16