النقد والسيناريو

التناول النقدي للفيلم يقوم على الصورة التي يظهر عليها الفيلم بشكل عام، في علاقتها بالموضوع، بالدراما، بما يريد الفيلم أن يرويه أو يوصله إلى المتفرج.
الأربعاء 2019/01/02
الكثيرون اعتبروا الراحل روجر إيبرت "عراب" النقد السينمائي الأميركي

النقد السينمائي عمل قائم بذاته وشكل من أشكال الإبداع الأدبي يوازي الإبداع الفني نفسه، أي الفيلم السينمائي، أو هذا ما يجب أن يكون، لكن البعض يعتقد أن النقد أقل قيمة وأهمية من كتابة السيناريو أو الإخراج مثلا، لهذا ظهر لدينا بعض النقاد الذين يكتبون سيناريوهات الأفلام في الصباح، ثم ينقدون أفلام الآخرين في المساء، دون أن يجدوا في ذلك أي تناقض أو غرابة.

والحقيقة أن الفصل بين كتابة الأفلام والكتابة عن الأفلام مسألة لا تخضع للشكل، بل هي من أوليات النزاهة المفترضة التي يجب أن تتوفر لدى نقاد السينما الذين يسمحون لأنفسهم بالكتابة سلبا أو إيجابا عن كل أنواع الأفلام. فكيف يمكن أن يتمتع الناقد بالنزاهة إن هو ارتبط بشركات إنتاج يكتب لها الأفلام، فكيف سيكون موقفه إزاء أفلام هذه الشركات، أو أفلام المخرجين الذين يخرجون سيناريوهاته، هل سيظل يتمتع بالاستقلالية وهو يكتب عن هذه الأفلام؟

صحيح أن الوسط السينمائي يعرف بعض من يمارسون هذه الازدواجية من دون أن يروا في ذلك أي تناقض، مبررين موقفهم بأن هناك من يفعلون نفس الشيء في الخارج، غافلين عن أن الناقد الذي اتجه لكتابة السيناريو في هوليوود مثل بيتر بوغدانوفيتش، لم يرجع أبدا ليمارس دور الناقد، وكذلك الأمر مع كل نقاد “كراسات السينما” الذين صنعوا “الموجة الجديدة” مثل غودار وتريفو وشابرول وإيريك رومير.

أما روجر إيبرت الذي يعتبره الكثيرون “عراب” النقد السينمائي الأميركي، فقد كتب السيناريو لفيلمين اثنين فقط، لكنه واصل كتابة مقالات نقد الأفلام حتى بعد إصابته بالشلل وإلى حين وفاته عام 2013، أي أنه أقلع عن كتابة السيناريو والتزم بدوره كناقد أو كمراجع للأفلام.

أما كبار النقاد المرموقين في العالم من أمثال فنسنت كانبي وفيليب فرنش وديفيد روبنسون وديليس باول وديفيد دنبي وجوناثان روزنباوم وبولين كيل وأندرو ساريس وأندريه بازان وميشيل سيمون ومارسيل مارتان، فلم يكتب أحد منهم السيناريو قط، رغم الإغراءات الكثيرة من حولهم.

في العالم العربي تنتشر هذه الظاهرة بدرجة ملموسة، بل هناك ممن يكتبون عن الأفلام من الصحافيين من كتبوا وأنتجوا وأخرجوا الأفلام أيضا، لكن لحسن الحظ، لم ينجح منهم أحد، لا في النقد ولا في العمل السينمائي، لأنهم ظلوا مشتتين مشوشين.

ويعتقد البعض أن النقد هو الباب الخلفي للعمل في السينما، وهناك من يعتبرون أن الناقد سينمائي فاشل، أي أنه لجأ إلى الكتابة عن الأفلام لأنه فشل في صنع الأفلام، وهي نظرة تعكس جهلا بطبيعة ودور النقد السينمائي.

وكثيرا ما يتساءل البعض: أليس من الضروري أن يكون الناقد قد صنع فيلما على الأقل، ويكون قد درس تقنيات صناعة السينما، لكي يعرف عما يكتب وهو يقوم بتقييم وتقويم أفلام الآخرين؟ والإجابة بالقطع لا. فإذا كان الناقد قد درس صناعة الأفلام لكان قد اتجه لصنع الأفلام لا الكتابة عنها.

من الطبيعي أن يكون الناقد ملما إلماما جيدا بتقنية صنع الفيلم، وكلما ازدادت معرفته بأساليب العمل السينمائي كلما أصبح قريبا من فهم لغة السينما، لكن النقد في نهاية المطاف، عمل أدبي، فكري وفلسفي، يقوم على نظرة جمالية وموقف فكري لدى الناقد.

فالناقد لا يجب أن يشغل نفسه بشرح أنواع الكاميرات والعدسات والمرشحات والوسائل التقنية الأخرى التي استخدمت في تصوير الفيلم، بل كيف تم توظيف هذه التقنيات للتعبير عن موضوع الفيلم وعن رؤية المخرج.

فالتناول النقدي للفيلم يقوم على الصورة التي يظهر عليها الفيلم بشكل عام، في علاقتها بالموضوع، بالدراما، بما يريد الفيلم أن يرويه أو يوصله إلى المتفرج، ولكن ليس بمعزل عن باقي فروع الفيلم مثل المونتاج والصوت والموسيقى والحوار والمؤثرات.. وغيرها.

ولأننا نفتقد لتيارات سينمائية حقيقية، فنحن نفتقد أيضا لوجود حركة نقدية ترسخ هذه المفاهيم عبر الممارسة، وهي محنة حقيقية.

16