النقد والهوية

الجمعة 2017/02/03

ما أكثر المناقشات السجالية حول الهوية في الحياة الفكرية والثقافية في مشهد الفكر العربي المعاصر.

يلاحظ أن التنظير المتداول يميل إلى الإقرار بأن الهوية ظاهرة معطاة قبليا وقائمة هناك ومتطابقة مع نفسها، وأنها هي التي تحرك التاريخ وتصنعه.

إنّ هذا الفهم يفرض على الهوية أن تكون قارة، وثابتة، وجاهزة، وواعية، وبالمقابل فإننا نجد الاستخدام السائد لمفهومي الاختلاف، والغيرية يطرحان بدورهما مشكلات لا تقل عن تلك التي تطرحها المناقشات حول الهوية. فالاختلاف ينظر إليه في الكثير من النصوص النقدية العربية على أنه التمايز الأبدي بين كيانات ثابتة سواء كانت هذه الكيانات ثقافات، أو أعراقا، أو حضارات،.

علما أن هذا الفهم القاصر يحشر الهوية في صندوق مغلق ويختم عليه على أساس أنه غير قابل للتحول والتغيير والإضافات، ولذلك أرى أننا في حاجة ماسة إلى أن نفكر في “كيف” تبنى الهوية باعتبارها مفتوحة دائما للتناص والتهجين وباعتبار التاريخ غير موجود إلا على أساس أننا نؤوله. صحيح أن التاريخ يلعب دورا في التأسيس للهوية، ولكن هذا التاريخ ليس واحدا بل هو متعدد ويتميز بالتحول المستمر، وفضلا عن ذلك فإن التاريخ ليس معطى قبليا بل هو ظاهرة تصنع دائما.

ويمكن لنا القول أيضا إنه لا توجد هوية قارة وثابتة لقصيدة شعرية ما لأن هوية القصيدة تتغير جراء تعدد هويات قرائها ويقال نفس الشيء بخصوص هوية النص الروائي والقصصي والمسرحي وهلم جرا.

لقد اعتاد النقد العربي التقليدي على اعتبار الطبقة الاجتماعية الواحدة أساسا موحدا للهويات، ولكن هذا الفهم قد تعرض بدوره للمساءلة والتقويض والدحض على أساس أن السردية التي يرويها عامل من العالم الثالث عن هويته الاجتماعية تختلف كثيرا عن تلك السردية التي يرويها العامل الأوروبي أو العامل الأميركي الأبيض أو الأسود في مجتمع رأسمالي متطور. وعلى ضوء هذا يجد المرء أن السود الأميركيين المنتمين إلى الطبقة البرجوازية، أو الرأسمالية تختلف هوياتهم عن هويات العمال السود المسحوقين في أميركا رغم اشتراكهم في العرق واللون وفي ذاكرة تاريخ الرق والاستعباد القديم.

وهكذا ندرك أن عنصري اللون والعرق ليسا بدورهما أساسا مطلقا ونهائيا لوحدة الهوية، وهكذا نستطيع أن نضرب مثالا آخر للتوضيح يتمثل في أن النقد النسوي الراديكالي يرفض الزعم القائل بأن النساء يشكلن وحدة متجانسة بدعوى اشتراكهن في الانتماء الجنسي البيولوجي لأن المرأة الأمية لا تشترك مع المرأة الجامعية في النفسية، وفي المصير الاجتماعي. كما أن النساء المنتميات إلى الأسر الفلاحية تختلف هوياتهن الاقتصادية والثقافية عن هويات النساء المنتميات إلى أسر المقاولين، والوزراء، وكبار الموظفين في مؤسسات الدولة أو القطاع الخاص.

كاتب جزائري

15