النقش على الصفائح

الجمعة 2017/12/29

في هذه السنوات الأخيرة فقدت بلداننا عددا معتبرا من الأدباء والمفكرين والفنانين ولكن وزارات الثقافة عندنا لم تشيد لهؤلاء، ولمن توفوا قبلهم، متاحف تحفظ ذكراهم وتصبح مزارات لمحبي الثقافة والأدب والفكر.

في هذا السياق تحضر لديّ الأهمية البالغة التي تمنحها الدول المتقدمة لمتاحف ولتماثيل ولأماكن ولادة وعمل المبدعين من الأدباء والمفكرين والعلماء، وهكذا أتذكر الزيارة الثقافية التي قمت بها منذ ثلاثين عاما ونيف لمدينة سانت بيترسبورغ الروسية ذات المعمار المخملي.

في تلك الزيارة لفتت انتباهي التماثيل الشاهقة والمتاحف المكرسة للشعراء والروائيين والمسرحيين وغيرهم من المبدعين، ولا أزال أتذكر كيف اختصرت أمامي تلك الزيارة الكثير من المحطات التاريخية والثقافية وكيف قدمت لي عناصر الهوية الثقافية الروسية وذلك من خلال تفاصيل معمار ومحتويات المنزل الذي عاش وأبدع فيه الروائي الروسي الشهير دوستويفسكي الذي حوّل إلى متحف مفتوح أمام قرائه الآتين من أصقاع المعمورة.

في هذه الزيارة أعلمني دليلي الثقافي أن معظم الأدباء الروس لهم متاحف بما في ذلك الأحياء منهم. إلى يومنا هذا لا تزال تحيا في مخيلتي طوابير الطلاب والطالبات الذين رأيتهم في متحف دوستويفسكي وفي متاحف أدباء وعلماء وفنانين آخرين وهم يصوّبون كاميراتهم بشغف لالتقاط الصور التذكارية، ويسجلون في كراساتهم الصغيرة انطباعاتهم والمعلومات التي تقدم لهم قصد تعميمها على زملائهم الطلاب لتحفيزهم لزيارتها ولقراءة كتب أصحاب هذه المتاحف.

وبعد استقراري ببريطانيا تكررت معي تجربة مماثلة لا تقل تأثيرا نفسيا وثقافيا عليّ عن التجربة الأولى، إذ وجدت فيها تقليدا روحيا وحضاريا يقوم أساسا على حفظ آثار الأدباء والمفكرين والعلماء وغيرهم من قادة الفكر والثقافة والفن وشتى ألوان المعرفة ويتمثل هذا التقليد في إقامة النصب التذكارية في الأماكن العامة والمدارس والجامعات، وفي بناء المتاحف للمبدعين. وهناك أيضا طريقة أخرى يلجأون إليها لتخليد منتجي الفكر والثقافة والفن في المجتمع البريطاني وتتمثل في تعبئة صفائح معدنية لامعة وملفتة للنظر بمعلومات تلخص في عبارات واضحة ودقيقة مسار هذا الكاتب أو ذاك الشاعر أو ذلك المؤرخ أو الممثل أو العالم، وتثبت هذه الصفائح في مواقع ملائمة، يختارها اختصاصيون في رعاية وحماية التراث الثقافي الروحي، مثل جدران المنازل التي عاش فيها هؤلاء المبدعون أو عند مداخل البنايات التي كانت بها مكاتب عملهم، وفي الوقت نفسه تصنف كل هذه المتاحف والنصب التذكارية والصفائح التي تسجل عليها سيرهم المختصرة ضمن جواهر التراث المحلي والوطني.

إنه في مثل هذه البيئة الثقافية والروحية تتربى الأجيال وتتغذى من إبداعات أدبائهم ومفكريهم وعلمائهم وفنانيهم. فأين نحن من كل هذا؟

كاتب جزائري

15