النقص في السلع الأساسية يزيد معاناة التونسيين

إجراءات محدودة لوقف التهريب واحتكار الأغذية أثناء الحجر، ومواقع التواصل الاجتماعي تتجند للتشهير بالمتلاعبين بأمن التونسيين الغذائي وحياتهم.
الثلاثاء 2020/04/07
الخضروات من السلع التي عزت واشتعلت أسعارها

في الوقت الذي يحشد فيه العالم بأسره إمكاناته الأمنية والاقتصادية والعلمية وغيرها لتطويق جائحة كورونا ينتهز بعض المهرّبين في تونس الفرصة لاحتكار المواد الأساسية، وتهريب المستلزمات الطبية ليضعوا بذلك أمن التونسيين الغذائي وحياتهم على المحك.

 تونس - خلال حديثه عن تعاطي أجهزة الدولة مع الأزمة الصحية بسبب تفشي فايروس كورونا المستجد قال الرئيس التونسي قيس سعيّد، إن “من يحتكر المواد الغذائية يجب أن يعاقب كمجرم حرب”.

هذه الكلمات أعادت إلى أذهان التونسيين صور التزاحم والتشابك أمام المحلات التجارية والصيدليات وغيرها، من أجل اقتناء ما يلزمهم خلال فترة الحجر الصحي التي أقرتها السلطات بهدف منع تفشّي وباء كورونا.

وكان لهذه الكلمات وقعُها لدى التونسيين الذين يشتكون من نقص بعض البضائع والسلع من السوق التونسية وكذلك الأدوية.

وتتباين آراء التونسيين بين من يرى أن أزمة المواد الغذائية وغيرها تعود إلى ضعف من الدولة التي وقفت عاجزة أمام سطوة المحتكرين، بينما يذهب شق آخر إلى اعتبار أن المشكل يكمُن في سلوكيات المواطن ولهفته عندما تم فرض الحجر الصحي.

ورغم محاولات السلطات الصحية طمأنة التونسيين حول مخزون البلاد من الأدوية إلا أن الأنباء التي تتواتر منذ بداية الأزمة تؤكد وجود محاولات لتهريب مستلزمات طبية أو ترويج أدوية وكمامات منتهية الصلوحية في الصيدليات التونسية.

ناشطو المجتمع المدني لا يخفون توجسهم من أن هناك تسامحا بل وحتى تواطؤا من قبل السلطات مع المحتكرين والمهربين
 

وتُلقي هذه المحاولات مجددا الضوء على ظاهرة أرهقت الأجهزة الأمنية التونسية منذ اندلاع ثورة 14 يناير، وهي ظاهرة التهريب التي أغرقت الأسواق التونسية وأثقلت كاهل الاقتصاد رغم محاولات السلطات محاصرة أباطرة هذه التجارة الموازية.

“العرب” رصدت آراء بعض التونسيين حول الظروف المعيشية الصعبة في ظل أزمة كورونا لاسيما بعد الخطاب الذي ألقاه الرئيس قيس سعيّد مؤخرا والذي تضمن إشارات إلى الاحتكار والتهريب، ومساهمة القطاع الخاص في دعم جهود الدولة الموجهة لمكافحة وباء كوفيد19-.

وأمام منزلها الكائن بمحافظة بن عروس (إحدى محافظات إقليم تونس الكبرى) تقول ريم الورفلي (39 سنة)، إن “الغلاء شاع بطريقة غير طبيعية في تونس خلال هذه الفترة نتيجة طمع الإنسان وجشعه”، في إشارة إلى غلاء البضائع في الأسواق والإقبال المبالغ فيه على الشراء.

وتستدرك ريم بالقول، إن “ذلك الغلاء نتيجة غياب الدولة الواضح وأيضا فشلها في ضرب المحتكرين والمستغلين بيد من حديد وتطبيق القانون”.

ويشير مواطنون إلى ارتفاع جنوني سجلته أسعار المواد الغذائية والمستلزمات الطبية في تونس منذ انطلاق الأزمة الصحية العاصفة التي أودت بحياة 14 شخصا حتى الآن.

الدولة تتحمّل مسؤولية الفجوة بين المقدرة الشرائية وأسعار المواد الغذائية
الدولة تتحمّل مسؤولية الفجوة بين المقدرة الشرائية وأسعار المواد الغذائية

وتتباين الآراء بشأن تقييم هذا الارتفاع حيث يقول عبدالكريم تونكتي (56 عاما)، إنه “يتعيّن على أيّ مواطن يجد فوارق بين السعر الذي تحدده الدولة وسعر السوق أن يقاطع البضائع لقطع الطريق أمام المحتكرين”.

ويضيف، أن “هناك محاباة أيضا في تطبيق القانون في تونس عندما يتعلق الأمر بالمحتكرين ورجال الأعمال وغيرهم”.

ويشير صلاح الدين الكريمي (25 عاما) إلى أن “الأسعار مرتفعة جدا مقارنة بالمقدرة الشرائية للمواطن”، ويضيف “الطبقة الوسطى تتقلّص يوما بعد يوم، والدولة هي التي تتحمّل مسؤولية هذه الفجوة بين المقدرة الشرائية وأسعار المواد الغذائية”.

ويشدّد الكريمي على أن “هياكل الدولة هي أكثر المساهمين في هذه الفجوة من خلال عدم مراقبة الأسعار ومسالك التوزيع للسلع سواء المنظمة أو تلك المهربة”.

وكان الرئيس التونسي قد أكد بدوره في كلمة ألقاها، الثلاثاء الماضي، توفر مواد يعدّ التونسي في أمسّ الحاجة إليها لكن يحتكرها أشخاص لم يسمّهم.

نحتاج إلى التعاون
نحتاج إلى التعاون

وقال، إن “مادة الدقيق على سبيل المثال متوفّرة بكميات كبيرة في بعض المخازن، وهناك من يتخفّى وراء صفته ليفلت من العقاب، لهذا يجب اتخاذ إجراءات صارمة في حقّهم”.

وتابع، “هناك أثرياء حرب يظهرون بعد انتهاء الأزمات ومن الضروري معاقبتهم وتنزيل أشد العقوبات ضدّه”. ولمّح سعيد إلى إمكانية إعداد مشروع قانون يمهد لمُعاقبة هؤلاء بعد انتهاء الأزمة الصحية.

وفي تصريح لـ”لعرب” يشير الإعلامي منجي الخضراوي إلى أن النظام السياسي “المأزوم” في تونس لا يتيح فرصا كبيرة لضرب المحتكرين، مؤكدا أن “أي مبادرة تشريعية صادرة عن قيس سعيد لن تجد صداها في البرلمان”، مشيرا إلى صعوبة تمريرها لعدم توفر حزام برلماني يدعم الرئيس المستقل.

ويؤكد الخضراوي، الذي يقود حملة واسعة في فيسبوك على المحتكرين، أن ذلك يعود بالأساس إلى “وجود مصلحة لدى الفاعلين السياسيين في علاقة بالمحتكرين”. لكن الباحث في علم الاجتماع معاذ بن نصير لا يساير الخضراوي في رأيه، حيث يؤكد أن المواطن التونسي ساهم في بروز هذه الأزمة.

يقول بن نصير في تصريح خصنا به، إن “الشهية مفتوحة للمتسوّق التونسي وهناك عوامل سيكولوجية وجوانب نفسية واضطرابات، حيث يولد التوجس من الموت أو اقتراب الخطر رغبة لدى الفرد للبحث عن استراتجياته الخاصة للبقاء والعيش وحماية نفسه وعائلته”.

ويشدد بن نصير على أن “هذه الأزمة وقع استغلالها من قبل بعض المحتكرين ومافيات المواد الغذائية”. أمام ظهور بوادر انتفاضة ضد غلاء الأسعار ونقص المواد الغذائية وشح الموارد المالية، التي بدت جلية في احتجاجات جدّت في بعض مناطق البلاد على غرار مدينة المنيهلة، سارعت السلطات إلى تشديد الرقابة على التجار وغيرهم بغية التحكم في الأسعار وفي مسالك التوزيع خاصة مع تمديد فترة الحجر الصحي.

وتعدّ أجهزة الأمن التونسي في الصفوف الأمامية التي تكابد من أجل منع الاحتكار والتهريب والسهر كذلك على فرض الانضباط خلال فترة الحجر الصحي الشامل.

وفي تصريح خصنا به الناطق الرسمي باسم الديوانة التونسية، يؤكد هيثم الزناد، أن الأخيرة “لن تتهاون في تطبيق القانون وضرب المحتكرين”.

 وقال الزناد إن “الديوانة التونسية تمكّنت خلال شهري فبراير وأبريل من حجز بضائع مهربة أو يحتكرها البعض بما قيمته 29 مليون دينار”، مضيفا، أن عمليات التهريب سجلت تراجعا كبيرا خلال فترة الحجر الصحي بسبب فرض حظر التجوال وغيره من الإجراءات التي ضيّقت الخناق على المحتكرين والمهرّبين.

تطبيق القانون وضرب المحتكرين
تطبيق القانون وضرب المحتكرين

الزناد أشار من ناحية أخرى إلى تضاعف عمليات الاحتكار والغش خلال هذه الفترة، منوّها بعمليات مداهمة مصانع ومخازن تحتوي على مستلزمات طبية ومواد غذائية منتهية الصلوحية.

وفي محاولة منهم لمعاضدة جهود الدولة في مواجهة وباء كورونا وتداعياته أطلقت مجموعة من المحامين والصحافيين مبادرات إلكترونية للتبليغ عن المحتكرين والمبلغين.  يقول منجي الخضراوي “إننا التقطنا كإعلاميين ومحامين وناشطين في المجتمع المدني إشارات رئاستي الحكومة والجمهورية اللتين تعاملتا بجدية مع الوباء”، مضيفا “لذلك سارعنا بتكوين مجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي للتشهير بهؤلاء الذين يتلاعبون بأمن التونسيين الغذائي وحياتهم”.

وبالرغم من محاولات السلطات وضع حد لممارسات المحتكرين والمضاربين، إلا أن هذه الأزمة فتحت الباب بمصراعيه أمام نقاش حول مدى جدية التشريعات التونسية في التعامل مع هؤلاء.

ولا يخفي الخضراوي توجسه من أن هناك “تسامحا بل وحتى تواطؤا من قبل السلطة التشريعية مع المحتكرين والمهربين”، مضيفا أن “المنظومة التشريعية في تونس حصّنت المحتكرين والمهربين”.

ويشير الخضراوي إلى قوانين تم سنّها لكن يصعب تطبيقها في ظل اختلاف قراءتها على غرار قانون تبييض الأموال ومكافحة الإرهاب الذي سنّته تونس عام 2015.

في السياق ذاته، يقول مروان فلفال النائب عن حركة تحيا تونس “إن حزبه يُدين الاحتكار والتهريب، ويساند أي قانون يضرب هؤلاء بيد من حديد”. ويشير إلى أن “لا حصانة للمحتكرين في ظل أزمة الوباء، وفي الواقع يوجد مسؤولون يتقاعسون في ضرب هؤلاء”.

20