النقطة وتمثلاتها المعرفية

النقاط كثيرة ووفيرة في العالم. إنها أفكار لا تنتهي في مسارات الحياة المعقدة.
الخميس 2019/08/01
النقطة ليست انتهاء (لوحة للفنان وسام شوكت)

سيبدو المؤلف سعيدا وهو يضع “النقطة” الأخيرة عندما ينتهي من كتابة روايته أو قصيدته أو مسرحيته. بينما لا يضع الفنان التشكيلي النقطة الأخيرة على لوحته. بل يكتفي بتوقيعه في نهاية الأمر ليثبت أصالة لوحته بعيدا عن التحريف والتزوير المحتمَل. وهكذا يكون “التوقيع” بما يعادل النقطة السردية والشعرية. وعليه، يجب أن ننتبه إلى مفارقات النقطة كأصغر كائن نتعامل معه بشكل يومي حثيث في كتاباتنا المختلفة. مثلما تعامل معه القدامى والمحدثون شرحا وتأويلا وتبسيطا وتعقيدا في الوقت نفسه، ومن ثم تشظيته إلى مستويات فلسفية ونسقية وصوفية وهندسية ورياضية وروحانية وعرفانية وفلكية وعلمية وفنية وثقافية عامة.

سيبدو شرح النقطة أكثر تعقيدا مما نظن، فإن كانت النقطة علامة صغيرة تُوضع فوق الحروف أَو تحتها كما هو مألوف، فإنّ الحالة التعريفية المتنوعة والمتشظية أكبر من هذا بكثير حينما اكتسبت النقطة أبعادا عميقة وتداخلت في مفاهيم متعددة حتى أضحت فلسفتها عميقة جدا. وخرجت من دائرتها الصفرية إلى مفاهيم متنوعة وكثيرة. فيها من الأسرار ما لا يُعد ولا يُحصى كأصغر عنصر في الطبيعة يتمركز الكون فيها كما يصفها الفلاسفة.

وبالتالي فإن معيارية النقطة تقع في خط التصور أو الخيال لتخرج من شكلها الصغير جدا إلى فضاءات التأويل والاشتقاقات من دون تعريف لها، من دون حجم أو عرض أو طول أو ارتفاع أو عمق أو زوايا أو مساحة أو أبعاد، لكنها موجودة في الفراغ. والفراغ شاسع وواسع هو أيضا لا تعريف له.

لكن هو ما يجسده الخيال الكتابي سردا وشعرا وفنا في هذه “النقطة” الحاسمة التي تتوالد حروفا وكلمات بطريقتها التي يبرع فيها المؤلفون وهم ينطلقون من تلك البادئة إلى أفق أكثر اتساعا ومدى. ليضعوا “النقاط على الحروف” كما يقال وهي دلالة لبيان الأمر وإيضاحه وتدوينه. والأمر هنا ما يتفرع من النقاط بإشارات سياسية أو اجتماعية أو نفسية لخلق عالم من الخيال والتجريد يوازي العالم الحقيقي إن لم يتفوق عليه. وبالتالي تصبح النقطة قطبا معرفيا جاذبا للكتابة الواسعة التي لا تنتهي عند حدّ معين.

روحانيا يميل المتصوفة إلى جعل النقطة هي بداية نشوء الكون. فالخلق بدأ من نقطة غامضة في العماء. والحياة تتشعّب بنقاطها الحية الكثيرة. والكون مثير بمجرّاته وكواكبه ومنظوماته الشمسية التي تُعد نقاطا أبدية غير مكتشفة كليا، والخالق هو النقطة السرمدية التي لا أول لها ولا آخِر.

أما الفلاسفة فيميلون إلى جعل النقطة مرتكزا للشروع في تفسير المظاهر الكونية والحياتية بتصورات خارقية وتأويلات تقترب من عالم التصوف كثيرا، لكن العلماء أكثر انفتاحا على الشروحات أمام حقائق الكون ومظاهره المختلفة التي تثير الكثير من نقاط التأويل والمعرفة في جماليات المكتشفات العلمية المستمرة؛ فيما يميل الاجتماعيون إلى تفتيت نقاط الحياة إلى مفردات طقوسية كثيرة واعتبارات دينية وأخلاقية وسلوكية، فـ”نقطة الحياء” اعتبارية خالصة تضخُّ في الفرد الاجتماعي ما يملي عليه أن يمشي على صراط مستقيم ضمن القبيلة والأعراف المتوارثة، حتى لا يصل إلى “النقطة الحرجة” في صراعه مع الحياة، وهي النقطة التي تواجهنا في يوميات متتالية لهذا السبب أو ذاك، ومثل هذه النقطة يواجهها الكتّاب في حالات كثيرة أثناء الكتابة في حالات التجلي الأخيرة.

الجماليون بشكل عام يفسرون النقطة ببؤرة الخلق والإبداع ؛ فكل شيء يبدأ بنقطة/ فكرة/ وينتهي بها ومنها. فالشجرة نقطة خضراء تشعُّ في الحدائق والغابات والبساتين. والماء نقطة لا لون لها لكنها تتلون في الكتابة. والعصفورة نقطة طائرة تتحرك بشكل عشوائي. والفراشات أكثر النقاط تلوينا وبهاء بين الورود. والحرف هو النقطة الأثيرة بين السطور. والنور نقطة تقتل الظلام. والموسيقى نقطة الوعي الصوتي التي تجمّل الروح وتمنحها طاقة إيجابية. في حين يرى الفنانون أن النقطة تبدأ من شبح غير مرئي على اللوحة وتتوسع جامعة معها نقاط اللاوعي المسكوت عنها فتنتهي بتوقيع.

أما الشعراء فنقاطهم بدأت قديما من زمن وجود “الجن” الذي كان يحرّضهم على الكتابة، حتى وصلوا إلى عصر العولمة و”جن” الإلكترونيات الحديثة الذي فرّغ القديم من محتواه إلى حد كبير. على أن يبقى العلماء أكثر الناس إيمانا بنقطة الكشف والتجديد والأكثر صلة بمنظومة الكون وحداثته المعرفية. فيما يبقى الكثير من رجال الدين متمسكين بنقاطهم المعروفة من دون أن يغيّروا شيئا منها أو يستفيدوا من حلقات العلم الجبارة واكتشافات الكون الأكثر إثارة وجمالا.

تظهر النقطة بكثافة في أي مجال من دون أن يكون لها شكل واضح أو ثابت، لكنها شكل من أشكال الحياة. تساعد على النمو والبقاء والديمومة، مثلما هي شكل من أشكال العطاء المستديم.

الموسيقار يبدأ بنقطة النغم الشبحية حتى تنفتح أمامه وتتسع وتنمو كبرعم صغير. والشاعر يلتقط نقطته الأثيرة من خيال اللغة. والروائي يسرد نقطته ويفككها ويعيد اكتشافها من جديد. والتشكيلي له نقطة لونية. والمرأة أكثر النقاط جمالا وإثارة في الحياة، وحولها تجتمع الفنون والآداب وجماليات الخلق الإبداعية.

للنقطة مساحات كبيرة من الاشتقاقات والتأويلات. وكلما ننتهي من كتابة ما نقول: نقطة رأس السطر. أي أن المشروع الجمالي لا يزال في بداياته. فالنقاط كثيرة ووفيرة في العالم. إنها أفكار لا تنتهي في مسارات الحياة المعقدة.

14