النقلة النوعية في العلاقات السعودية الأميركية

السبت 2016/04/30

المملكة العربية السعودية تخطف الإعلام من اكتئاب الحرب على الإرهاب إلى إشراقات مستقبلية تدعو إلى التفاؤل بأن المنطقة مقبلة على مرحلة استقرار وبناء لا تقسيم وخراب؛ مشروع التحالف الإسلامي العسكري للحرب على الإرهاب، إنشاء جسر الملك سلمان الذي سيربط القارة السمراء بجزيرة العرب وما يحمله من بشائر مادية ومعنوية، وأخيرا وليس آخرا رؤية المملكة 2030، جميعها مشاريع سلّط الإعلام الضوء عليها بواقعية وموضوعية، إلا في ما يتعلق بالعلاقات السعودية الأميركية.

نظر الإعلام إلى النقلة النوعية في العلاقات السعودية الأميركية بمنظار التأزم والاختلاف في وجهات النظر، بينما هي في الحقيقة ضرورة فرضها الدور الجديد للمملكة بعد التحالف الإسلامي العسكري كقوة مؤثرة في المنطقة.

في الوقت الذي كان يُطلق على العلاقات السعودية الأميركية “العلاقات الخاصة” قبل هجمات 11 سبتمر2011، واجهت تلك العلاقات تحديات خطيرة تعامل معها الجانب السعودي بنهج مخيب للآمال.

اجتياح الرئيس العراقي السابق صدام حسين للكويت وإعلانه الحرب على السعودية فتحا آفاقا جديدة للعلاقات السعودية الأميركية، تجاوزت النفط إلى التعاون العسكري الذي أنقذ الاقتصاد الأميركي من الأزمة التي رافقت انخفاض أسعار النفط قبل اجتياح الكويت. في مقال له عن التأثير الكبير لحرب الخليج على الاقتصاد الأميركي نشرته نيويورك تايمز عام 1991، وصف الكاتب والخبير الاقتصادي الأميركي ليونارد سلك حرب الخليج بأنها الاستثنائية في التاريخ الأميركي بسبب ما حققته من فوائد وتأثير إيجابي على الميزانية والاقتصاد. إنها فترة “الأيام الخوالي” كما وصفها الأمير تركي الفيصل في حواره على السي آن آن، والتي لم تدم بسبب أحداث 11 سبتمبر وتأثيرها على العلاقات السعودية الأميركية بالتراجع والفتور ثم التوتر.

عندما وجه الرأي العام الأميركي أصابع الاتهام نحو السعودية ومنظومتها الثقافية والدينية واعتبرها المسؤولة عن إنتاج الإرهابيين، لم تطالب المملكة بحقها في الكشف عن ملفات التحقيق السرية ومواجهتها بالدليل والبرهان، كما يفعل القائمون على سياستها الخارجية اليوم. ظلت السياسة السعودية في واشنطن متمثلة بالأمير بندر بن سلطان تدافع عن نفسها معتمدة على العلاقات الممتازة التي تربط الأمير بالرؤساء وكبار المسؤولين الجمهوريين. ولأن الحدث كان بحاجة إلى جهود استثنائية تتناسب مع حجم خطورته، ورؤية استراتيجية عميقة لما يترتب عليه من نتائج، لم يكن الأمير بندر موفقا في احتواء الأزمة والحفاظ على العلاقات السعودية الأميركية على ما كانت عليه. ربما هذا يكون واضحا أكثر إذا عدنا إلى الضجة والغضب الذين أثارهما الفيلم الوثائقي فهرنهايت 11 /9 للمخرج الأميركي مايكل مور. تناول الفيلم موضوع إخلاء 24 فردا من عائلة بن لادن في رحلة سرية بعد وقت قصير من الهجمات، دون إخضاعهم لأي شكل من أشكال الاستجواب. رغم أن المخرج استخدم الموضوع لإدانة جورج بوش، إلا أنه ربط الهجمات بالسعودية كدولة بسبب إرهابي يحمل جنسيتها.

أثناء ظهور الأمير بندر بن سلطان على السي آن آن في لقاء مع الإعلامي لاري كينغ، يبرر فيه للشعب الأميركي قرار الملك عبدالله بمساعدة عائلة بن لادن في مغادرة أميركا، ويصف أسامة بن لادن بالشخص البسيط، كان هناك سياسي آخر يتابع الأحداث ويحمل مشروعا ينقذ الجمهوريين من إدانة الشعب الأميركي على تقاعسه في منع الهجمات بعد ورود معلومات استخباراتية عنها، وتوجيه دفّة علاقاته باتجاه إيران لتكون الصديق البديل لأميركا في المنطقة. جهود حثيثة بذلها أحمد الجلبي بدوافع طائفية لإقناع إدارة الجمهوريين باحتلال العراق ومنح الحكم فيه للشيعة مقابل النفط وسوق للاستثمارات الأميركية. أحمد الجلبي الذي كان الضيف الخاص للسيدة الأولى لورا بوش أثناء الخطاب الذي وجهه زوجها إلى الكونغرس الأميركي عام 2004، مد جسور التواصل بين إيران والإدارة الأميركية، وجعل من الأولى حليفا استراتيجيا لأميركا في حربها على الإرهاب. لكن فشل المشروع الأميركي في العراق تسبب في خسارة الجمهوريين في الانتخابات، ودفع منافسيهم في الحزب الديمقراطي بالعودة إلى ملفات هجمات 11 سبتمبر لتكون ورقة ضغط تمارسها السياسة الأميركية على السعودية لتبرير فشلها في الحرب على الإرهاب الذي انتقل من طور التنظيمات إلى الخلافة والإمبراطوريات.

بعد مرور أكثر من عقد ونصف العقد على الأحداث كشف الإعلام الأميركي عن دور إيران، لا السعودية أو العراق، في التنسيق مع تنظيم القاعدة ولقاء مغنية القيادي في حزب الله بأسامة بن لادن. التصريحات فضحت قبح الإمبريالية الأميركية وتلاعبها بمصير الشعوب.

بالتأكيد كل ما ورد أعلاه ليس جديدا على المتابعين لتاريخ السياسة الأميركية. حسنا، ولكن ما هو الجديد الذي نحاول من خلال هذا المقال وضع أيدينا عليه وتقديمه إلى القارئ؟

إنه النهج المبهر الذي تتبعه السياسة السعودية الجديدة في مواجهة الضغوط الأميركية والإجراءات التي تنتقل من خلالها بعلاقاتها مع الولايات المتحدة من مرحلة المسايرة والمهادنة، إلى مرحلة الدبلوماسية والتعاون القائم على تبادل المصالح المشتركة بين البلدين.

بعد استفاقة السياسة السعودية على طبول الحرب، كما أشرنا في مقال سابق يحمل العنوان ذاته، فاجأتنا المملكة بموقفها الرافض للسياسة الأميركية في المنطقة، طريقة استقبالها للرئيس الأميركي باراك أوباما أثناء زيارته للمشاركة في القمة الخليجية ربما يعكس هذا، لكن في الوقت نفسه سعت إلى الإمساك بعصب الاقتصاد الأميركي واستغلال سلطة رأس المال وتأثيره على السياسة الأميركية. لم تفعل المملكة لمواجهة الضغوط والابتزاز الأميركي ما فعلته الأنظمة الدكتاتورية القومية أو إيران للغرض ذاته. لم تستعرض أمام الإعلام تجاربها في صناعة أسلحة بخبرات غربية داخل مصانع سرية، دون تساؤلات عن قيمة مثل هكذا أسلحة في مواجهة قوة عظمى تمتلك من الأسلحة الفتاكة ما لم يتم عرضه في الأسواق العالمية بعد. في حوار نشره موقع “غلوبل ريسيرج” للسياسي الأميركي هنري كيسنجر، يتحدث فيه عن الطموح الأميركي كقوة عظمى وحيدة متحكمة في العالم، يقول إن الولايات المتحدة لديها من الأسلحة ما لم يتم التعرف عليه بعد، وأن تلك الأسلحة ستظهر للعالم عندما يحين الوقت المناسب.

قبل أن نتطرق إلى تأثير زيارة الملك سلمان الأخيرة إلى الولايات المتحدة وربط اقتصادها بأمن المملكة واستقرارها، نقدم تعريفا للولايات المتحدة، تلك الدولة التي لا يختلف اثنان على تصنيفها كقوة عظمى. ما هي الولايات المتحدة الأميركية؟

الولايات المتحدة الأميركية مستعمرات لمجموعات عبرت المحيط الأطلسي من أوروبا لأجل المغامرة والثروة. انقرض بعض تلك المجموعات بسبب الجوع والأمراض، ودخل الباقي في حروب طاحنة قتلت روح المغامرة، ومكنت رأس المال من توحيد تلك المستعمرات في دولة يتحكم في سياستها رأس المال (الكونغرس)، وتتحكم سياستها (البيت الأبيض) في العالم.

بينما يكون الكونغرس مسؤولا عن جميع القرارات التي تتعلق برأس المال وحمايته، يعمل البيت الأبيض على إدارة وتنفيذ تلك القرارات في عملية ديمقراطية يتنافس فيها حزبان الأول يتبنى التقدمية الأميركية وهو حزب الديمقراطيين، والثاني الإمبريالية الأميركية وهو حزب الجمهوريين، لكن في النهاية كل من الحزبين يعملان على التنسيق وحفظ التوازن بين رأس المال والمستهلك لتحقيق الأمن والأرباح.

زار الملك سلمان الولايات المتحدة حاملا معه مشاريع واستثمارات تقدر بتريليوني دولار. أراد إيصال رسالة إلى المجتمع الأميركي بأن المملكة لا تزال حريصة على علاقاتها مع الولايات المتحدة، ولكن ليس وفق شروط فرض الإملاءات ورسم الخطوط الحمراء. لكن يبدو أن الرئيس أوباما لم يأخذ رسالة الملك على محمل الجد إلا بعد تحذير المملكة من أنها قد تبيع أصولا تقدر بمليارات الدولارات في أميركا. مما لا يقبل الشك تهديد المملكة كثالث أكبر حامل لسندات الخزانة الأميركية في العالم بعد الصين واليابان (حسب صحيفة نيويورك تايمز)، مع استثمارات بقيمة تريليوني دولار، مع تحالف إسلامي عسكري ضدّ الإرهاب، تكفي وزيادة لمنح الأمير تركي الفيصل ثقة التصريح إعلاميا بأن العلاقات السعودية الأميركية باقية بغض النظر عن هوية الرئيس الأميركي القادم، وأن نقلة نوعية قد حدثت في تلك العلاقات بعد تحريرها من الحملات الانتخابية واستغلال الأحزاب السياسية لها. وربما إذا صحت توقعات خبراء الاقتصاد من أصحاب نظرية “دورة السبع سنوات في الانهيارات الاقتصادية” الذين يتوقعون أن يكون الاقتصاد الأميركي بين 2015 و2020 جحيما أحمر على الولايات المتحدة، فإن هذا يعني غرس نصل الرمح في قلب الإعلام الذي يتحدث عن مراسيم دفن العلاقات السعودية الأميركية.

كاتبة عراقية

9