النقود البلاستيكية في مواجهة التقليدية: مصر تختار ما يخدم المرحلة

القاهرة تتجه لاعتماد النقود البلاستيكية رسميا، والبنك المركزي أمام تحدي المواءمة بين القيمة الشرائية للعملة الجديدة وتكلفة طباعتها.
الأربعاء 2018/12/12
يصعب على المواطن التخلي عن العملة التقليدية

أعلن البنك المركزي المصري اتجاه بلاده إلى إنتاج النقود البلاستيكية بدلا عن العملة الورقية التقليدية بداية من العام 2020، في خطوة تدخل مصر عصر التكنولوجيا المالية، وتحمل العملة الجديدة مميزات عدة أبرزها أنها تحد من تزويرها، كما تتميز بالمرونة والسمك وهي صديقة للبيئة، غير أن تكلفة طباعتها الباهظة تضع الاقتصاد المصري أمام تحدي المخاطرة باعتمادها رسميا.

القاهرة – أثار محافظ البنك المركزي المصري طارق عامر جدلا بإعلانه رسميا اعتزام السلطات البدء في طباعة نقود بلاستيكية بحلول عام 2020 من مطبعة البنك المركزي المصري الجديدة في العاصمة الإدارية الجديدة، لتبدأ تدريجيا باستبدال العملة الورقية المعروفة حاليا بأخرى أكثر مواكبة لمتطلبات المرحلة.

بطبيعة الحال فإن مسؤولي الجهاز المصرفي المصري يرون مميزات عديدة في النقود المسماة مجازا بـ”النقود البلاستيكية”، أبرز تلك المميزات تخفيض تكلفة طباعتها.

وتأتي تلك الخطوة في وقت يواجه فيه الاقتصاد المصري تحديات كبيرة، ويبدو أنه انعكس بشكل ما على نوعية خامة العملة ذاتها، باعتبارها الأداة المعبرة عن حركة الاقتصاد.

وقال هاني توفيق رئيس الاتحاد العربي للاستثمار المباشر الأسبق، في تصريحات لـ”العرب” إن “تغيير العملة السبيل الوحيد لحصر الثروات وضم القطاع غير الرسمي إلى المنظومة الاقتصادية، حيث يضطر أصحاب الأموال إلى تغييرها من البنوك وبالتالي يتمكن الجهاز المصرفي من معرفة مصدر تلك الثروات”.

واعتبر توفيق هذه الطريقة الأفضل لضم الأنشطة غير الرسمية إلى المنظومة الاقتصادية، لأنه دون الحصول على العملة الجديدة لن تستطيع تلك الفئات التعامل في السوق.

هاني توفيق: تغيير العملة السبيل الوحيد لحصر الثروات ومعرفة مصدرها في مصر ولضم القطاع الموازي إلى المنظومة الاقتصادية
هاني توفيق: تغيير العملة السبيل الوحيد لحصر الثروات ومعرفة مصدرها في مصر ولضم القطاع الموازي إلى المنظومة الاقتصادية

وبلغ حجم السيولة النقدية المتداولة خارج البنك المركزي خلال شهر سبتمبر الماضي نحو 25 مليار دولار تمثل نحو 50 بالمئة من حجم المعروض النقدي بالبلاد، نحو 13 بالمئة من حجم السيولة المحلية في مصر.

ووصف سيد محمود، موظف بإحدى الشركات، العملة الجديدة بأنها ستكون بمناسبة الانتقال إلى العاصمة الإدارية الجديدة، حيث حياة الترف والبذخ، والتي لا بد أن يصاحبها إصدار عملات جديدة، تناسب النقلة النوعية التي ستحدثها المدينة الواعدة.

ويشار هنا إلى أن ثمة التباسا يحدث أحيانا عند استخدام مصطلح “النقود البلاستيكية”، فهناك من يستخدم المصطلح للتعبير عن وسائل الدفع الإلكتروني، مثل بطاقات الائتمان وغيرها من الطرق التي تعتمد بطاقات بلاستيكية سميكة، إلا أن النقود البلاستيكية التي أعلنت مصر اعتمادها مؤخرا ومن قبلها الكثير من الدول، تختلف تماما عن تلك البطاقات.

العملة البلاستيكية المقصودة هنا مصنوعة في حقيقة الأمر من مادة البوليمر، وليست من البلاستيك التقليدي المستخدم في الكثير من الصناعات والأدوات المنزلية، فمادة البوليمر مادة صديقة للبيئة بعكس البلاستيك الذي يسبب تلوث البيئة الذي ينعكس سلبا على صحة الإنسان.

ابتكار ليس جديدا

قد يتخيل البعض أن النقود البلاستيكية ابتكار جديد، إلا أن هناك العديد من دول العالم أدركت ما لتلك النقود من مميزات في وقت مبكر للغاية، وعلى رأسها أستراليا التي اعتمدت طباعة هذه النقود لأول مرة عام 1988، وتبعتها دول مثل كندا ونيوزيلندا ورومانيا وفيتنام وبريطانيا ونيجيريا وتشيلي والمكسيك والمالديف وبتسوانا وغيرها.

ويمكن حصر ميزات النقود البلاستيكية في عدة جوانب؛ فمن الناحية الاقتصادية يعد عمر النقود المصنوعة من البوليمر أطول من النقود التقليدية المصنوعة من القطن والكتان بنحو 5 أضعاف، ما يعني خفض التكلفة المهدرة في إعادة طباعة النقود التالفة، كما أنها أقل امتصاصا للأتربة والأوساخ ما يجعلها أكثر أمانا من الناحية الصحية.

أما من الناحية العملية فتمتاز النقود المصنوعة من البوليمر بقابليتها للغسيل دون تأثرها بالماء، وتناسب التعامل مع ماكينات الصراف الآلي أكثر من النقود الورقية التقليدية.

وفوق كل ذلك تسهم بشكل كبير في الحد من جرائم تزوير العملة، لأنها تمتاز بثلاثة مستويات من الأمان، وبها سمات مميزة مثل الأشرطة اللامعة والشرائح الممغنطة ويمكن للمواطن العادي التعرف عليها وتمييزها حال تزويرها، كما أن هناك سمات أخرى تكشف عنها الآلات وتعرفها الجهات المصرفية فقط.

النقود البلاستيكية تسهم بشكل كبير في الحد من جرائم تزوير العملة، لأنها تمتاز بثلاثة مستويات من الأمان، وبها سمات مميزة مثل الأشرطة اللامعة والشرائح الممغنطة ويمكن للمواطن العادي التعرف عليها وتمييزها حال تزويرها، كما أن هناك سمات أخرى تكشف عنها الآلات وتعرفها الجهات المصرفية فقط

وأكد الخبير المصرفي هشام إبراهيم أن الحديث عن التحول إلى عملات مصنوعة من مادة البوليمر أو البلاستيك كما يطلق عليه، لا يزعج المواطنين، فالعملة في حد ذاتها وسيلة وليست هدفا، ولا يتم اكتنازها طول العمر.

وأضاف لـ”العرب” أن تغيير شكل العملة يبدو تطورا نوعيا في مجال حماية الدول لعملتها من آفة التزوير، باعتبار أن العملة تمثل رمزا للدولة، في الوقت الذي تتصدر فيه مصر الدول التي تتدهور فيها جودة العملات الورقية، وتبعا لذلك بات التغيير ضروريا، لأن التحول لعملات جديدة يمثل توجها دوليا ومن مظاهر مواكبة التحولات المالية والتكنولوجية.

ويأتي تحرك البنك المركزي المصري نحو العملات الجديدة، في إطار خطة للتحوط ضد رفض فئات عديدة للنقود الورقية الحالية، والتي تتلف في وقت سريع، وربما تؤدي إلى مشاجرات بين الأفراد في وسائل المواصلات والمعاملات المختلفة.

وتابع “مصر تدخل عصرا جديدا من التكنولوجيا عبر العاصمة الإدارية الجديدة، ولا بد من تحديث عملتها، كما أن التحول نحو العملات البلاستيكية وتقليل التعامل على النقود الورقية، سوف يستغرق وقتا حتى تتم دراسة سلوك المواطن”.

عيوب خفيّة

العملات البلاستيكية أثارت جدلا بين المواطنين
العملات البلاستيكية أثارت جدلا بين المواطنين

رغم كل ما للنقود البلاستيكية من مميزات، إلا أننا لا نستطيع غض الطرف عن حقيقة أن الدول المستخدمة لها حاليا لا تزال أقل من الدول المستخدمة للنقود التقليدية، ما يعني أن هناك تحديا من نوع ما تواجهه السلطات المصرفية في دول العالم، أو بالأحرى حيرة بين التخلي عن مميزات النقود التقليدية وبين مقتضيات العصر التي تلح على اللجوء إلى مميزات النقود البلاستيكية.

وفي دولة مثل مصر لها حضارات قديمة ومرت بتاريخ طويل من مراحل تطوير العملة، لماذا لم تلجأ إلى العملة المصنوعة من البوليمر وتتخلى عن العملة الورقية، رغم ظهور العملة ذات الخامة الجديدة منذ ثمانينات القرن الماضي، ورغم أن العديد من الدول أقل تقدما من مصر لجأت إليها؟

لا بد وأن العملة الورقية كانت ولا تزال تحظى ببعض نقاط القوة التي احتفظت لها بهذه المكانة على مدار سنوات رغم وجود البديل.

وعرضت صحيفة “الغارديان” البريطانية مقارنة سريعة بين ميزات وعيوب العملة البلاستيكية، وقالت إنه على الرغم من الميزات العظيمة التي ذكرناها آنفا للنقود المصنوعة من البوليمر، إلا أن بها عيوبا، ربما هي التي أخرت الكثير من الدول عن اتخاذ قرار اعتماد استخدام النقود البلاستيكية.

وتأتي التكلفة المرتفعة لطباعة النقود البلاستيكية على رأس العيوب، فحتى وإن كانت سوف توفر في تكلفة الطباعة على المدى الطويل لأن عمرها أطول، إلا أن ارتفاع تكلفة طباعتها في المرة الأولى قد يشكل تحديا أمام الدول النامية والتي يجب عليها المواءمة بين القيمة الشرائية للعملة وتكلفة طباعتها.

هشام إبراهيم: تغيير العملة هو تطور نوعي في مجال حماية الدول لعملتها من التزوير، والتحول لعملات جديدة يمثل توجها دوليا
هشام إبراهيم: تغيير العملة هو تطور نوعي في مجال حماية الدول لعملتها من التزوير، والتحول لعملات جديدة يمثل توجها دوليا

وتظهر بعد ذلك عيوب متعلقة بالاستخدام اليومي، والتي يشعر بها المواطن أكثر من السلطات المصرفية، مثال ذلك قوام العملة البلاستيكية الأكثر تماسكا مقارنة بالعملة الورقية، ما يجعل العملة البلاستيكية أكثر صعوبة عند التعامل معها أو عدّها يدويا، كذلك عند وضعها في المحافظ الجلدية فإنها ستكون أقل تكيفا مع شكل المحفظة ويصعب ثنيها بسبب صلابة الورقة المصنوعة من البوليمر.

ولفت تقرير نشرته هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” إلى أن دولة نيجيريا بدأت بالفعل استخداما تجريبيا للعملة المصنوعة من البوليمر عام 2007، إلا أن السلطات المصرفية في البلاد واجهت صعوبات بالغة لتمرير هذا القرار لتقف أمام رغبة الجماهير للعودة مرة أخرى لاستخدام العملة التقليدية.

ويرجع السبب وراء ما واجهته نيجيريا من صعوبات في تنفيذ قرارها إلى أن الحبر المستخدم لطباعة تصميم العملة على مادة البوليمر راح يتلاشى تدريجيا عند التعرض لحرارة وأشعة الشمس المعروفة بشدتها في هذه الدولة الأفريقية، ما جعل النقود باهتة اللون، خاصة لدى سائقي المواصلات العامة والتجار الذين يضطرون إلى التعرض إلى أشعة الشمس المباشرة، ثم ظهر من بين هؤلاء من يرفض التعامل بتلك العملات باهتة اللون غير واضحة المعالم.

 الاستفادة من التجارب السابقة

يمكن هنا أن تكون تجربة نيجيريا مع النقود البلاستيكية درسا يجب أن يضعه المسؤولون المصرفيون في مصر في حساباتهم، لأن القاهرة تعرف بشدة حرارة شمسها في الكثير من شهور العام، ما قد يعرض النقود البلاستيكية لديها إلى مصير مشابه لما لاقته في نيجيريا، إن لم تراع مسألة ثبات الألوان ومقاومتها للحرارة وأشعة الشمس.

ولم يكن تلاشي الألوان المشكلة الوحيدة التي واجهت انتشار العملة البلاستيكية في نيجيريا، فعلى الرغم من أن هذه العملة يصعب تزويرها بفضل الثلاثة مستويات من الأمان التي تحدثنا عنها آنفا، إلا أن نقص الوعي اللازم لدى المواطنين سمح لمجرمي تزوير العملة في نيجيريا بأن يجدوا طريقهم لممارسة أنشطتهم الإجرامية.

وبعد أشهر قليلة من الانطلاق الرسمي للعملة البلاستيكية في نيجيريا تلقى البنك المركزي هناك بلاغات تفيد بوجود كميات من العملة المزورة تجتاح سوق العملة، ما أثار حالة من الذعر بين التجار ورجال الأعمال والمواطنين العاديين على حد السواء.

 وصاحبت ذلك انتقادات شعبية لهذا النوع من النقود الذي تم تقديمه في بادئ الأمر على أن إحدى أبرز ميزاته هي زيادة عوامل الأمان مقارنة بالنقود التقليدية.

وخرج محمد عبدالله المتحدث باسم البنك المركزي النيجيري وقتها، ليبرر ما حدث قائلا “إنه على جمهور المواطنين الاطلاع على عوامل الأمان وكيفية كشف النقود المزورة المتاحة على الموقع الإلكتروني للبنك المركزي”.

التكلفة المرتفعة لطباعة النقود البلاستيكية على رأس العيوب
التكلفة المرتفعة لطباعة النقود البلاستيكية  تأتي على رأس العيوب

وبدأت وقتها حالة من الجدل في البلاد بين من ينتقدون قلة البيانات المتاحة على الموقع ومن يقترح طرقا للتمييز بين النقود الحقيقية والمزورة مثل عدد الأرقام المتسلسلة وبروز ملمس الرسم الموجود على العملة.

ومرة أخرى، يمكن لمصر الاستفادة من تجربة نيجيريا في هذا الصدد، فالمراهنة على وعي واطلاع المجتمع المصري على البيانات المتاحة على المواقع الحكومية قد لا تسفر عن نتائج طيبة، لأن نسبة الأمية في مصر تبلغ نحو 25.8 بالمئة، وتزيد تلك النسبة في الريف إلى نحو 32.2 بالمئة، مقابل 17.2 بالمئة في الحضر، ما يعني أنه لا تزال شريحة غير ضئيلة من الشعب سوف تواجه مشكلة في البحث عن كيفية التمييز بين العملة الحقيقية والمزيفة.

وأوضحت بسنت فهمي الخبيرة المصرفية وعضو اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب المصري، أن البنك المركزي تسرع في الإعلان عن العملات البلاستيكية الأمر الذي أثار جدلا بين المواطنين.

وقالت في معرض حديثها لـ”العرب” إنه من “المتوقع تنفيذ هذه الخطوة خلال النصف الثاني من عام 2020، وبالتالي من المبكر فتح حوار حول نتائجها السلبية، كما أن البنك المركزي يقوم في المناسبات والأعياد بطبع عملات جديدة، وبالتالي كان عليه طرح العملة الجديدة وسحب العملات القديمة بهدوء، كما يتم في التعامل مع العملات البالية”.

وحذرت من استغلال بعض “النصابين” للبسطاء من الشعب الذين لا يجيدون القراءة والكتابة، ومنحهم عملات مزيفة على أنها العملات الجديدة.

وتظل العملة البلاستيكية أو المصنوعة من البوليمر، تطورا طبيعيا تفرضه تحديات العصر، وعلى الدول دائما اختيار ما يخدم أهداف المرحلة الحالية، لكن في النهاية ينبغي التعامل مع هذا التطور كأي خطوة جديدة بها نسبة مخاطرة محسوبة، ووضع الخطط البديلة للاستعداد للسيناريوهات غير المتوقعة.

12