النكتة السياسية في إيران تنضح عنصرية

الأربعاء 2016/10/26

كل شيء في إيران ينضح بطبيعة استعلائية وعدائية لكل ما هو غير فارسي، سواء في التعامل مع المجتمعات الداخلية، أو مع المحيط الإقليمي، العربي أساسا، وتبدو هذه النزعة واضحة من السياسة الخارجية إلى السياسة التعليمية، وصولا إلى التعاملات اليومية، في أبسط تفاصليها، على غرار النكات التي يتبادلها الإيرانيون، من أبناء المركز (الفرس)، للتندر والسخرية من العرب والأتراك والبلوش والأكراد والتركمان، ما يجعل إيران تتصدر المرتبة الثانية عالميا في استطلاع القيم العالمية لأكثر الدول عنصرية.

تعرّف النكتة على أنها “نوع من الأدب الشعبي والجملة اللطيفة التي تؤثر في النفس انبساطا”، لكن وقع النكتة في إيران يختلف حين تكون موجّهة للشعوب غير الفارسيّة كالآذريين الأتراك والأحوازيين العرب والأكراد والبلوش والتركمان، إذ يصبح الإنبساط حكرا على الفرس أصحاب النكتة، أمّا الآخرون، فنصيبهم الاستياء والاشمئزاز والغبن لما تحمل النكتة من دلالات عنصريّة ونظرة فوقيّة.

ويفسّر علماء الإجتماع النزعة العنصريّة سواء أكانت متمثلة بالنكتة أو السلوك على أنها تدلّ على ضعف شخصيّة صاحب النكتة العنصريّة وشعوره بالنقص، لذا يقوم باحتقار الآخرين ووضعهم في مراتب دُنيا، ساعيا بذلك لوضع نفسه في مكانة أفضل وأسمى من غيره.

وغالبا ما يسعى الفارسي إلى وصف أبناء الشعوب الأخرى وخاصّة العرب والأتراك بعديميّ الثقافة والمتخلّفين. وهذه النظرة ليست وليدة الوقت الراهن الحاضر، بل تمتد إلى عهد السيطرة العربية على الفرس. وقد انعكس ذلك في أشعار الفردوسي، صاحب ملحمة الشاهنامه، وهي أكثر الأدبيّات الفارسية شعوبيّة وعنصريّة.

الفردوسي مرجع العنصريين

وكثيرا ما يعتزّ عامّة الفرس وقادتهم على حد سواء بهذا الشاعر، إذ يرى وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي الإيراني الأسبق محمّد حسين صفّار هرندي أنّ الإساءة للفردوسي هي مقدّمة للإساءة والعدوان على إيران، ويرى مسؤولون آخرون أنّ على الشعب الإيراني التزوّد بحماسة فردوسي لمواجهة الأعداء. وخلال زيارته للفاتيكان عام 1999 ولترويج مشروع حوار الحضارات، أهدى الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي ديوان الفردوسي إلى البابا يوحنّا بولس الثاني.

ووفقا لدراسات إيرانيّة فإنّ النكت العنصريّة ضد الشعوب الأخرى تنتشر في جميع المدن الإيرانيّة دون استثناء، ولكن أكثرها هي محافظتا طهران وآلبرز. وتفيد الدراسات أنّ الفرس يستهدفون ثقافات الشعوب الأخرى غير الفارسيّة ضمن ما يسمّى بجغرافية إيران، من خلال النكت العنصريّة، ولا شكّ أنّ ذلك يؤكّد عدم انسجام السلوك الفارسي مع بقيّة الثقافات ومدى تباعدها وتباينها مع الثقافة الفارسيّة، الأمر الذي يبرهن إنعدام وحدة المصير بين هذه الشعوب والشعب الفارسي.

ويحذّر الكثير من الحقوقيين والخبراء في إيران من خطورة النكتة السياسيّة الموجّهة ضد الشعوب غير الفارسيّة إلى حدّ وصفها بالنار تحت الرماد والمؤهّلة بانفجار هذه الشعوب ضد الدولة المركزيّة في طهران، إلّا أنّ تداول النكتة السياسيّة تجاوز مرحلة الحفظ وانتقالها الشفاهي بين عامّة الفرس مع تطوّر تكنولوجيا الاتصال والإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي وصعوبة السيطرة عليها. ولا ريب أنّ للعرب ومن بعدهم الأتراك حصّة الأسد من المعاملة العنصريّة سواء عبر النكت أو الخطاب الرسمي والعام الفارسي، ولا يقتصر الأمر على عامّة الفرس، بل يشمل الخطب الرسميّة للمسؤولين الفرس كالبرلمانيين وخطباء الجمعة وأعضاء مجلس خبراء القيادة ومتحدثيّ وزارة الخارجيّة وغيرهم من المسؤولين.

وتشمل العنصريّة الفارسيّة تجاه العرب على وجه الخصوص جميع الفئات من المتعلمين ورجال الدين والعلمانيين، وتعود أسباب ذلك، وفق أستاذ العلوم السياسيّة بجامعة طهران، صادق زيبا كلام، إلى عدم نسيان الفرس هزيمتهم على يد العرب قبل أكثر من ألف وأربعمئة عام، مثلما هُزموا على يد الأتراك.

وفي حين يعرف الجميع أنّ الدولة الإيرانيّة بجغرافيتها الحالية قد تأسّست على يد البريطانيين خصوصا ومعهم أميركا والدول الغربيّة وذلك لمنع تمدّد الاتحاد السوفيتي تجاه المياه الدافئة في الخليج العربي، فالفرس يستهزئون بالدول العربيّة وخاصّة الخليجّية بقولهم “أسيادكم الإنكليز والأميركان والفرنسيون هُم مَنْ أسّسوا دولكم”.

وبدوافع عنصريّة أنشأ الفرس بيت الثقافة للغة الفارسيّة منذ عهد رضا بهلوي محاولين حذف المصطلحات العربيّة من اللغة الفارسيّة، إلّا أنّ المحاولات باءت بالفشل الذريع، كون اللغة الفارسيّة ستشلّ بالكامل دون العربيّة، فالفارسيّة عبارة عن لغة مركّبة من العربيّة والهنديّة واللاتينيّة والتركيّة وتعتمد بنسبة أكثر اللغة العربيّة. وقد أرسل رضا بهلوي قادته العسكريين الأكثر قسوة ووحشيّة إلى دول الأحواز العربيّة والأقاليم غير الفارسيّة المحتلة ففرض غرامات باهظة على من يتكلم بغير الفارسيّة، إلّأ أنّ النتائج جاءت عكسيّة تماما، إذ زادت الشعوب غير الفارسيّة تمسكا بهويّتها ولغتها.

وفي حين يضحك اليوم الفرس بصناعتهم وترديدهم النكت السياسيّة والاجتماعيّة للانتقاص من الشعوب غير الفارسيّة، يحذّر الكثيرون من الفرس أنفسهم من أنّ هذه الضحكة والابتسامة الفارسيّة قد أوجدتا حالة غبن وحزن شديدين لدى أبناء هذه الشعوب، وأنّ النكتة الفارسيّة المستخدمة اليوم هي ذاتها ستجلب الأحزان على الفرس مستقبلا حين تنتفض الشعوب.

كاتب أحوازي

12