النكتة نافذة للتجاوز والنقد وتجديد المشاعر الإيجابية

إذا كانت النكتة وسيلة من وسائل التجاوز وكسر الرتابة الحياتية المملّة، فإنها في بعض الأحيان تخرج عن مسارها الهزلي الإيجابي لتصبح هتكا للأعراض ومسّا بخصوصيات الأشخاص.
الأحد 2018/05/20
“نسرق” ما أمكن من الهزل والضحك

كنت أتصفّح بعض المواقع على شبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك، وشدّ انتباهي مقال بعنوان “النكتة السياسية.. مقاومة ثقافية”، ورحت أقرأ المقال بشغف، فكان أكاديميا ينحو تارة إلى الأبعاد السوسيولوجية وطورا إلى الأنساق الاجتماعية. المثير في كل هذا أن المقال حفّزني للتفكير في الموضوع -ونحن في خضمّ صراع انتخابي محموم في تونس- من الأكيد حسب رؤيتي أنه يكرّس استقطابا حزبيا ثنائيا ما فتئ يلقي بظلاله على المشهد الاجتماعي والسياسي في البلاد.

نسبة الإقبال على صناديق الاقتراع كانت محتشمة جدا في حدود 33 بالمئة، وهو أمر يعكس تبرّما شعبيا من أداء الساسة وينعكس سلبا على حياة الأفراد والأسر والمجتمع عموما. هذا لا ينفي أن من خصال العرب بحثهم عن النكتة والطرفة في خضمّ المعاناة، حتى أن المؤلفات الأدبية لم تخلُ من نوادر شيّقة، وكانت الغاية دوما النقد من أجل الإصلاح وإعادة البناء.

نعود إلى السياسة، حيث لم يكن متاحا في تونس مثلا قبل ثورة يناير 2011 أن يتجرّأ أحدهم وينقد السلطة وأعوانها في جميع المراكز والمؤسسات المركزية والجهوية والمحلية نقدا ساخرا هادفا. ولكن الأمر تغيّر وتحررت الأقلام والمواهب وصار النقد السياسي الساخر متاحا في نسق لا يجب أن يصل إلى الثلب والشتم وانتهاك الأعراض.

أعتقد أن كل عربي وكل تونسي في حاجة ماسّة هذه الأيام إلى تكثيف البعد الهزلي في جميع مجالات حياته، فالعمل صار إرهاصا شديد الوطأة بسبب عدم التكافؤ بين الجهد المبذول وبين مقابله مادي، أضف إلى ذلك ظروف الإنجاز التعيسة جدّا فكان لزاما البحث عن النكتة الساخرة للتخفيف من هذه الوطأة، فيقع التندّر بين زملاء العمل وتكثر المداعبة والمُزح تارة حول طريقة الكلام وأخرى تتعلق بالمظهر.

أما النكتة السياسية فتظهر مع كل حدث وطني جديد، ففي المحطات الانتخابية تكثر السخرية من المترشحين، فيعمد مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي إلى اعتماد “تقنية الفوتوشوب” فيركّبون رؤوسا على أجساد حيوانات أو أجساد أطفال صغار أو ما شابه.

هذه النكات الساخرة التي يتفاعل معها النشطاء خاصة بدرجة كبيرة من شأنها أن تقوم بدورين؛ أولا محاولة التوعية بخطورة الوضع السياسي والاجتماعي الذي تمرّ به البلاد ومن ذلك التحذير من بعض المشكلات عبر إطلاق حملات بحثا عن تغيير ما. وكم من القرارات السياسية تأثرت بتلك الانتقادات وتغيّرت أو وقع تعديلها.

وثانيا محاولة توجيه الرأي العام بحيث تقوم النكتة بدور إشهاري. فالهزل تسلل إلى المحطات التلفزيونية في برامجها “الترفيهية” ومنوعاتها التي تكون في العادة خليطا من تناول القضايا الاجتماعية والسياسية الآنية، كما تبحث عن الأخبار المغرية والطريفة مع دعوة فنانين ومسرحيين وممثلين وإنجاز “سكاتشات” مضحكة قد تتناول بعض الشخصيات المعروفة، والأكيد أن الغاية التجارية تغلب في الموضوع ولكن الأهمّ من ذلك أن العائلات التونسية تجتمع وتتحلّق حول الشاشة لمشاهدة مثل هذه البرامج والضحك، وكأن الأمر متنفّس لتجاوز الإرهاصات اليومية المعنوية والمادية في مجالات العمل والنقل العمومي والفضاءات الاجتماعية المختلفة.

أضحت النكتة والضحك شيمتين يبحث عنهما كل من ضاقت آفاق حياته على امتدادها وانسدّت السبل أمامه خاصّة في ظلّ ما اتسمت به حياتنا المعاصرة من مكابدة يومية مستمرّة على المستويين المادّي والمعنوي، كل أنساق الحياة مرّت إلى السرعة القصوى حتى أصبح الشاغل الأكبر كل يوم كيف نكمل ما بدأنا، وكيف ننهي العدّ والتجميع والزيادة والطرح؟

كان لزاما أن “نسرق” ما أمكن من الهزل والضحك لنجدّد انفعالاتنا الإيجابية، فالإحباط السياسي والاقتصادي والاجتماعي والحضاري يتفاقم بسرعة جنونية، وفقدت الانتظارات خاصة بعد ما سمي بالربيع العربي، وتفشّت مظاهر سلبية وصولا إلى الإرهاب والقتل العمد.

هل الانحدار القيمي هو سبب تفشّي النكتة؟ الإضحاك فنّ ليس من السهل إنتاجه خاصة في زمن الإفلاس، ولكنّ له باعا مترسخا في المخيال الشعبي حيث كانت تُدار حلقات التندّر في الليالي الصيفية خاصة وفي غياب ما يشغل الناس. وسرى الأمر في الإنتاجات الأدبية ولعل أبرزها كتاب البخلاء للجاحظ وكتاب مقامات الهمذاني، إذن فهو إرث حضاري يتّخذ شكله في كل عصر بحسب المستجدّات الحضارية.

وإذا كانت النكتة وسيلة من وسائل التجاوز وكسر الرتابة الحياتية المملّة بما أنها تقوي الروابط العائلية والاجتماعية في فضاءات الأسرة والعمل والمؤسسات العامة وفضاءات التسوّق وغيرها، فإنها في بعض الأحيان تخرج عن مسارها الهزلي الإيجابي لتصبح هتكا للأعراض ومسّا بخصوصيات الأشخاص، خاصة إذا ما وقع تداولها في وسائل الإعلام التقليدية أو وسائط التواصل الاجتماعي، وكم من قضايا نشرت في المحاكم ولدى القضاء من أجل التجريح وانتهاك الخصوصيات. إذن فبقدر ما كان تأثير الهزل والإضحاك إيجابيا في عصرنا الراهن، بقدر ما كان وسيلة “لا أخلاقية” تمسّ أعراض الناس وتسيء لهم.

21