النكسة والارتباك الروسي من أوكرانيا إلى سوريا

الثلاثاء 2014/03/25

لاشك في أن السياسة الروسية تعاني من ارتباك في اتخاذ القرارات الحاسمة، خاصة بعد النكسة التي تعرضت لها روسيا في أوكرانيا، رغم الموافقة البرلمانية على استخدام القوة العسكرية في أوكرانيا لحماية المصالح الروسية. لكن الرئيس بوتين متردد في ممارسة فعل عسكري قد يترك آثاره على روسيا وحلفائها.

فالتردد في ممارسة ردة فعل تجاه أوكرانيا قد لا تحمد عقباه، ورغم مساندة روسيا لانفصاليي جزيرة القرم بوجه الهجمة الغربية والتطرف الأوكراني الذي يهدد مصالحها، وبالوقت عينه، لا تريد موسكو ممارسة أي عمل عسكري ضد أوكرانيا، قد يترك آثاره على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وبالتالي روسيا لا تريد أن يكتب عليها أنها فككت أوكرانيا.

موسكو لا تريد الذهاب نحو حرب باردة جديدة تنهك القدرات الروسية المالية والمعنوية، بالرغم من المحاولات المتعددة التي تمارسها أميركا ضدها منذ فترة، فالروس يعلمون جيدا أن العودة إلى الحرب الباردة يعني محاصرة روسيا وسياستها الطموحة إلى ممارسة دور دولي في عالم متعدد الأقطاب، الساسة الروس يعلمون أن الحرب الباردة والتدخلات العسكرية لا تخدم مصالحهم، فالحرب أسهمت سابقا في انهيار الاتحاد السوفيتي. والعقوبات الاقتصادية التي قد يفرضها الغرب على روسيا بالتعاون مع الولايات المتحدة سوف تكون لها نتائج سلبية على روسيا واقتصادها، كما ستنعكس على الغرب وأوروبا لاحقا. فالرئيس بوتين يعلم بأنه محاط بالعديد من “يانوكوفيتش الروس" الذين يحاولون الحفاظ على أموالهم ويخافون العقوبات التي تطالهم.

لذلك يحاول بوتين استخدام لغتين في التعاطي مع الملف الأوكراني: لهجة خاصة تعتمد الهدوء والتهديد واستعراض القدرات العسكرية في مكالمته مع أوباما، وتطغى عليها لغة المصالح وربما التلويح بتبادل الملفات، ولهجة أخرى تستخدم مع أوروبا، تحديدا مع ألمانيا، يسودها الغزل الخفي وتسيطر عليها لغة المصالح.

أميركا وأوروبا يحاولان إنهاك روسيا بأزمات اقتصادية واستنزافها في ملفات لا يمكن تحملها طويلا، وفي حال استمرارها في التعنت ستؤدي سياستها حتما إلى عزلها اقتصاديا وإثقالها بحلفاء لم تخترهم.

إن تردد بوتين في استخدام القوة العسكرية يعود إلى الأسباب التالية :

-المزاج الروسي الرافض للدخول في معارك عسكرية ضد أوكرانيا، حيث ستكون من أقل القرارات الشعبوية في حياة بوتين السياسية، إضافة إلى انضمام معارضين روس لتأييد المزاج الأوكراني المعترض على نهج بوتين، كان آخرهم ظهور المعارض الروسي خضركوفسكي في ميدان كييف.

- مزاج حلفاء الروس الذين لم يتقبلوا فكرة التدخل العسكري في أوكرانيا، مما دفع بهذه الدول إلى الخوف من أن تكون هي الفريسة التالية للعدوان الروسي القادم. وهذا ما عبرت عنه استانا الحليف الرسمي لروسيا والتي تعتبر كازاخستان القوة النفطية والاقتصادية والحليف الثابت لروسيا من خلال بيانها الرافض للتدخل العسكري.

- بداية ظهور الخسائر الاقتصادية الكبرى والتي بدأت موسكو تتكبدها، حيث هبطت البورصة في موسكو بنسبة 10 بالمئة من خلال تداولات في المصرف المركزي في أول أيام التداول بعد التحركات العسكرية الروسية، إضافة إلى هبوط أسعار شركة “غاز بروم” النفطية. وهذا الانهيار التدريجي في الأسواق الاقتصادية يذكر الروس بالوضع الاقتصادي، أيام غزو أفغانستان وهبوط أسعار النفط، حيث تم فرض حصار اقتصادي على الاتحاد ساهم في انهيار الإمبراطورية الشيوعية.

- العزلة الغربية المتوقعة على روسيا من قبل الغرب والتي ستزداد في حال التدخل العسكري، وهذه العزلة ستكون ضربة قاسية لبوتين الذي كافح من أجل الحصول على مقعد على الطاولة الدولية والاعتراف بروسيا كدولة عملاقة. كما يتوقع أن تمتد العزلة الروسية لتصل إلى فرض عقوبات اقتصادية، يمكن أن تتحول إلى أزمة في روسيا، وهو ما لا يتوقع أن يقبل به بوتين، في تهديد لمصالح روسيا.

من هنا، نرى أن لغة الروس تعتمد التهدئة والدخول في نقاش جاد حول مستقبل أوكرانيا وكيفية حله، وكيفية مساهمة روسيا الضرورية في هذه الحلول، لذلك نجد روسيا تتمسك في خطابها بالعودة إلى تنفيذ بنود اتفاق 21 فبراير الذي رعته أوروبا. وبالرغم من التهديد العسكري الروسي، إلا أن روسيا لم تحاول التلويح بالأوراق الاقتصادية والطاقة في وجه أوكرانيا ومطالبتها بديون الغاز خوفا من اعتبار هذه الأوراق تستخدم في وجه أوروبا وليس أوكرانيا.

تحاول روسيا أن تعيد النظر في كل سياستها، وبالتالي هي تطالب الغرب بحماية مصالحها الاقتصادية والثقافية والعسكرية، ويعني هذا أنها أضحت مقتنعة بأنها لم تعد تستطيع إدارة أوكرانيا لوحدها.

وهذا يعني أن روسيا سوف تفرج عن ملفات أخرى كانت واقعة في الأسر لكونها كانت تعتقد بأنها تحقق تقدما على السياسة الأميركية. فالتصلب لن يفيد الرئيس الروسي في الملف السوري، فهو تصلب طوال ثلاث سنوات وأمن الفرصة تلو الفرصة للرئيس السوري الأسد وقدم له الحماية والمساعدة العسكرية واللوجستية طوال ثلاث سنوات، ولم يستطع أن يقدم للأسد أي شيء سوى الزج بجنوده وجيشه مباشرة في ميدان الحرب، ولن يستطيع مواصلة التشدد في سوريا كما يعتقد البعض، لأن التصلب كما تقول البروفيسورة الروسية يلينا ميلكوميان المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط، “إن تدهور العلاقات الروسية الأميركية بسبب أوكرانيا قد يدفع أميركا إلى العودة إلى توجيه ضربة عسكرية للنظام السوري، وهذا الضعف في الموقف الروسي حاليا تم التقاطه من قبل بعض الدول العربية التي تحاول تغيير الوضع في سوريا، وربما كان اجتماع وزراء الخارجية العرب في 9 مارس الحالي صريحا وواضحا في كيفية التعامل مع الأزمة السورية من خلال تأمين دعم عسكري للمعتدلين العسكريين السوريين والتعبير عن الاستياء من فشل جنيف 2 الذي يتحمل مسؤوليته الروس الذين كانوا يعتقدون أن الأسد سوف يغير المعادلة من خلال الحملة العسكرية التي ينتهجها المدعومة إيرانيا وروسيا ومن قبل قوى متطرفة أخرى”.

وبالتالي الروس يعانون اليوم ضعفا سياسيا في كل الملفات التي كانوا يعتبرونها ملفات قابلة للتفاوض من خلال توجهاتهم الخاصة، وسوف يرضخون للشروط الدولية وعدم الوقوع في مستنقع الاستنزاف، والتجربة الإيرانية لا تزال أمام الجميع، وبوتين لن يكون بمقدوره تجاوز تجربة الملالي.

كاتب وباحث اعلامي

مختص بالشؤون الروسية ودول اوروبا الشرقية

6