النماذج التقليدية للصحافة لم تعد لها أهمية في العالم الرقمي

يفرض العصر الرقمي مفاهيم وحقائق جديدة على الصحافة التقليدية، التي لم يعد لديها خيار سوى مواكبة التطور التكنولوجي المتسارع، وهو ما أثبتته صحيفة واشنطن بوست تحت قيادة إميليو غارسيا-رويز الذي ينفذ مبادئ مالكها جيف بيزوس في إدارة الصحيفة.
الأربعاء 2016/06/01
النظر إلى عالم الصحافة من عين رقمية

واشنطن – من بين الحقائق الجديدة لوسائل الإعلام التقليدية أن النماذج التقليدية للصحافة، ممثلة في الصفحتين الأولى والرئيسية، لم تعد لها أهمية في العالم الرقمي.

هذه واحدة من ضمن مجموعة من الأفكار التي يرسخها إميليو غارسيا-رويز، مدير تحرير صحيفة واشنطن بوست للمحتوى الرقمي، الذي أخذ على عاتقه تنفيذ رؤية جيف بيزوس للمسار الذي يجب أن تتخذه “واشنطن بوست” تحت قيادته.

ويقول جيمس برينر في تقريره لشبكة الصحافيين الدوليين، “نعم من الجيد أن يكون لدينا مالك ملياردير صبور، ولكن من الأفضل أن يكون لدينا مالك ملياردير لديه رؤية، ورؤية مالك الواشنطن بوست، جيف بيزوس، هي أن المؤسسة الإخبارية يجب أن تجعل إنتاجها متاحاً مجاناً في كل مكان”.

ويحث بيزوس صحافيي المطبوعة على تبني مبادئ مبيعات التجزئة التي تعلمها على مدى سنوات في إدارة أمازون، أكبر متاجر التجزئة على الإنترنت في الولايات المتحدة والذي يبيع كل شيء تقريباً.

بدوره يقوم غارسيا-رويز بتحويل هذه المبادئ إلى إجراءات واقعية، تناولها في خطابه الأخير في العاشر من مارس الماضي، خلال مؤتمر الصحافة الرقمية في هويسكا بأسبانيا.

تحدث غارسيا-رويز عن سياسة “قُمع المبيعات” وهو مفهوم أساسي في استراتيجية التجزئة، يقوم على جعل أكبر عدد ممكن من الناس يعرضون نماذج من المنتج الخاص بك وحملهم على دفع ثمن المنتج، ثم جعلهم يكررون الشراء لمنتجات عالية القيمة. في كل مرحلة تكون قاعدة العملاء أصغر ولكن ينفقون المزيد، وعند تطبيقه هذا المفهوم في الصحافة، يتم من خلال المشاركة على الشبكات الاجتماعية.

ويشرح رئيس تحرير الصحيفة الأميركية، إن الأساس من الناحية التجارية هو الاستمرار في توسيع قاعدة العملاء في قمة هذه القناة التي تضخّ الأخبار، تماماً كما فعلت أمازون في مجال تجارة التجزئة. ومن منظور الصحافة، المفتاح هو دمج أفضل صحافة مع أفضل تكنولوجيا للحفاظ على عودة الناس من أجل المزيد.

هذا المفهوم التجاري عرض الصحيفة لانتقادات بسبب تبنيها استراتيجية شبيهة بـ”باز فيد”، تعتمد على السعي وراء المشاركة الفيروسية، وتتم جزئياً عن طريق جذب الزوار للموقع بالعناوين المثيرة، ورغم الشكوك والانتقادات فقد نجحت الصحيفة في سياستها الجديدة.

واحتفل غارسيا-رويز وفريق عمله بتجاوز صحيفة نيويورك تايمز في إجمالي عدد الزوار في بعض الأشهر الأخيرة.

إميليو غارسيا-رويز: ليست خطيئة أن تتعامل مع الحقائق الجديدة، فالأساليب القديمة لم تعد صالحة

وأثبتت واشنطن بوست صحة رؤيتها بشأن تغير حقائق النماذج التقليدية للصحافة، إذ أن 20 بالمئة فقط من الجمهور الرقمي للصحيفة يأتي إلى الصفحة الرئيسية؛ وتأتي نسبة 80 بالمئة من خلال الشبكات الاجتماعية، والبحث ونشرات البريد الإلكتروني.

ويصل 70 بالمئة من جمهور الواشنطن بوست إلى الأخبار من خلال الأجهزة المحمولة، وبشكل رئيسي من الهواتف الذكية.

كما تفقد النسخة الورقية المشتركين بسرعة، حوالي ربع الإجمالي في عامين فقط، في حين أن الجمهور الرقمي ينمو بسرعة.

ولهذه الأسباب، تتعامل الواشنطن بوست مع هذه الحقائق الجديدة عن طريق تصميم محتوياتها لتتم مشاركتها على وسائل التواصل الاجتماعي وإعادة تصميم صحافتها الاستقصائية لتظهر بشكل أفضل على الأجهزة النقالة.

ويعتبر البعض أن في ذلك إرضاء للجمهور أو استسلاما لمنصات التكنولوجيا الكبيرة، فيسبوك وغوغل ومايكروسوفت، وأبل وغيرها.

ويبدي الكثيرون في الصحافة القلق من الآثار المترتبة على هذا الاتجاه على دور الصحافة بوصفها السلطة الرابعة، وموازنا للسلطة، وحارسا للمجتمع (وهو قلق عبرت عنه إميلي بيل من جامعة كولومبيا أفضل تعبير في خطابها الأخير).

وقال غارسيا-رويز أحياناً يشتغل العاملون في الصحافة بجدية شديدة، وهذا يقودهم إلى ارتكاب أخطاء مثل كتابة عناوين مملة. ويعتقد أنه ليس من الخطأ كتابة أشياء شعبية.

وأعطى مثالاً على ذلك قصة امرأة قام زوجها في أستراليا باستئجار بعض القتلة المأجورين للسفر إلى أفريقيا وقتل زوجته، التي اشتبه أنها غير مخلصة له.

وحسب رأيه غابت الفكرة الأساسية عن عنوان هيئة الإذاعة البريطانية “أنقذها قتلة محترفون ذوو مبادئ”، كذلك العنوان الرئيسي في صحيفة استرالية، “الرجل الذي دبر فعلياً خطة قتل زوجته المخطوفة في أفريقيا سُجن في ملبورن”، بينما العنوان الذي كتبته واشنطن بوست جعل هذه القصة الأكثر شعبية في تاريخ الطبعة الرقمية، حيث حقق 7 ملايين مشاهدة “زوجة تحضر جنازتها، مثيرةً ذعر زوجها، الذي كان قد دفع لقتلها”، رغم أن هذه القصة في الحقيقة لم تكن قصة الصحيفة نفسها، ولكن من خدمة الوكالات.

فالواشنطن بوست ليست لديها مشكلة في نشر قصص الوكالات من أي مكان في العالم في أي عدد من المواضيع، كما يقول غارسيا-رويز. لماذا لا نجعل هذه القصة مثيرة للاهتمام قدر الإمكان؟…

وكانت رسالة غارسيا-رويز بوضوح هي الأكثر جاذبية وإلهاماً في المؤتمر، “ليست خطيئة أن تكون شعبياً. ليست خطيئة أن تتعامل مع الحقائق الجديدة، خاصة وأن الأساليب القديمة لم تعد صالحة”. واحتشد حوله أفراد من الجمهور بعد خطابه. وقامت العديد من وسائل الإعلام بإجراء مقابلات معه.

وكان من اللافت خلال المؤتمر أن غارسيا-رويز تحدث إلى جمهور مكوّن من 400 بأسبانية طليقة، تعلمها من والديه، هاجرا من أسبانيا إلى الولايات المتحدة في الخمسينات. بالرغم من ذلك فقد كان يضطر في بعض الأحيان لأن يسأل مدير الجلسة عن

الكلمات الأسبانية لبعض المصطلحات الصحافية، مثل عنوان، وغرفة الأخبار والموعد النهائي.

18