النمساوي غوستاف كليمت مبتدع الفن الزخرفي المتهم بإفساد الشبيبة

الاثنين 2014/09/01
لوحاته انقلاب كلي على الأساليب الأكاديمية الكلاسيكية

باريس- “قرن من الذهب والألوان” هو عنوان عرض رائع بمقاطع الأنوار بمدينة بو دو بروفانس (من 7 مارس 2014 إلى 4 يناير 2015) يتمحور حول كليمت وفيينا، ويحوي آلاف الصور الرقمية عن آثاره وآثار تابعيه، استعان المنظمون بالتقنيات الحديثة في بثها على كل مساحات تلك المقاطع الحجرية القديمة، على وقع أنغام نمساوية ساحرة.

يقترح العرض نظرة غير مسبوقة إلى غوستاف كليمت (1862/ 1918) ومن تأثر به خصوصا إيغو نشيله (1890/ 1918)، عبر عملية إخراج طريفة للوحات والبورتريهات والمناظر والزخارف المذهبة والألوان المتلألئة، التي أحدثت ثورة في الفن النمساوي أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين.

حينها برز كليمت كواحد من أهم الفنانين الذين رصعوا شارع رينغستراس الشهير بصروح ونصب تذكارية بديعة. أخذ الولع بفنون الزخرفة والترصيع عن أبيه إرنست كليمت، الصائغ الذي مارس نقش المعادن الثمينة وترصيعها، وتمرس بها عند التحاقه بمدرسة الفنون والصنائع بفيينا عام 1876.

بدأ حياته مزينا ضمن فريق هانس ماكارت وهو لا يزال طالبا، قبل أن ينضم إلى فرقة الفنانين، التي كانت وسيطا بين أهل الفن والجمهور، فضلا عن دورها في مساعدة المبتدئين والتعريف بهم.

وكان أهم حدث في حياته خلال تلك الفترة تزيينه قلائد مدارج متحف تاريخ الفن، ثم فتح عام 1883 مشغلا صحبة أخيه، وأنجز عدة جداريات حوت رموزا وشعارات على الطريقة الأكاديمية الكلاسيكية.

وعُهد له في تلك الفترة بتزيين جدران وسقوف بيوت فاخرة ومسارح ومنشآت عامة أكسبته الشهرة، ونال عن مجملها عام 1888 الصليب الذهبي للاستحقاق الفني من يد الإمبراطور فرانسوا جوزيف نفسه.

ولم تمض بضع سنوات حتى بدأ يهجر الأساليب الأكاديمية ويختط أسلوبه الخاص في أعمال فنية مستحدثة، وبدأ يخالط كتابا مثل أرتر شنيتزلر وهوغو فون هوفمانستال وهرمان بار، ويهتم بالرمزية والانطباعية. ثم اكتشف خلال معرض أقيم عام 1895 أعمال ماكس ليبرمان وفيليسيا نروبس ويوليوس كلينغر وأرنولد بوكلين وأوغست رودان، اكتشافا فتح أمامه آفاقا رحبة.

وفي عام 1897 أسس مع أصدقائه كولومان موزر وجوزيف ماريا أولبريخ وكارل مول وجوزيف هوفمان وماكس كورزفيل وجوزيف دي أنغلهارت وإرنست ستور ما عرف بمجموعة الانفصاليين.

كما ساهم في العام نفسه في بعث اتحاد للفنانين التصويريين عرف بالانفصال الفييني رفقة تسعة عشر رساما، للتمرد على جمود الأكاديمية النمساوية، التي عدها كليمت وأنصاره مسؤولة عن “الظلامية” الفنية. وكان الاتحاد صدى لحركات التجديد في البلدان المجاورة، كحركة الفن الجديد بفرنسا وحركة الأسلوب الجديد في ألمانيا.

ورغم السمعة التي حَظي بها، لم ينج من الانتقادات اللاذعة التي أطلقها عليه خصومه، بسبب مواقفه الحادة من الفن الأكاديمي في المقام الأول، ومن لوحات خالفت الذائقة السائدة في المقام الثاني، خصوصا لوحاته التي أنجزها ما بين 1900 و1907 بطلب من جامعة فيينا لتزيين رواق مدخلها، وعرضت تباعا في معرض الانفصاليين.

نال غوستاف كليمت عام 1888 الصليب الذهبي للاستحقاق الفني من يد الإمبراطور فرانسوا جوزيف نفسه

الأولى بعنوان “الفلسفة” وقد صورها كليمت في شكل عرّافة غائمة التقاطيع، شاردة النظرات، وحولها أطوار الحياة من المولد حتى الشيخوخة مرورا بعناق الحب، وفي الصدارة، تتخذ المعرفة قسمات غانية تركز نظراتها الثقيلة الباردة على المشاهد.

فقوبلت باستياء شديد من وسط جامعي محافظ كان ينتظر تمثلا كلاسيكيا للموضوع، ورأى في تلك الرمزية دعوة إلى التفسخ واعتداء على الأخلاق الحميدة، فيما اتهمت الصحافة كليمت بإهانة التعليم والحث على إفساد الشبيبة.

بل إن أحدهم كتب يقول: “مدموك البنية، ثقيل الحركة، مفتول العضل، ولكي يطيل وجهه دون شك، يعمد إلى تسريح شعره إلى الخلف، وتلك هي العلامة الوحيدة التي قد توحي بأن هذا الرجل فنان”.

والثانية بعنوان “الطب” وتصور امرأة تهب جسدها، إلى جانب ممثلين عن الألم والموت. وأما الثالثة “أحكام القضاء” فتتمثل في مجرم يقع نهبا لغرائزه والعدالة حذوه جامدة داخل إطار من الفسيفساء مستوحى من الفن البيزنطي. هذان العملان عرضا في الدورة الثانية لمعرض الانفصاليين، فكان الرد هذه المرة من نواب الشعب الذين رفعوا مكاتيب استنكار إلى وزير التربية.

وكانت النتيجة أن تخلت الجامعة عن اقتناء اللوحات، دون أن يثني قرارها كليمت عن المضي في الدرب الذي رسمه، لأنه كان مقتنعا بأن رضا الناس غاية عسيرة المنال.

مثلما كان مقتنعا بأصالة فنه وجدته، فـ”الفلسفة” فازت بالميدالية الذهبية في المعرض العالمي بباريس، وإفريز بتهوفن -وهي جدارية من سبع ألواح عن السيمفونية التاسعة- حازت إعجاب الألماني غوستاف ماهلر والفرنسي غوستاف رودان، ولكنها قوبلت كالعادة بسيل من الانتقادات الجارحة باسم الأخلاق.

ومنذ ذلك العام أي 1902، انتقل كليمت إلى مرحلته الذهبية فأنجز أعماله المعروفة، مثل “ثعابين الماء” و”بورتريه آديل بلوك”، ثم عدل عن الذهب بعد زيارات قادته إلى البندقية ورافين وفلورنسا وباريس، حيث اكتشف فان غوخ ومونك وتوروب وغوغان وبونار وماتيس.

فانكب على رسم مناظر مشاهد استعارية كثيفة الزخرفة، دقيقة الخطوط، زاهية الألوان، قريبة من تنقيطية سورا، ومن فان غوخ وبونار أحيانا. قبل أن يكرسه معرض البندقية عام 1910 كمزين نهاية القرن، ورسام الأنتليجنسيا، ومبتدع الفن الزخرفي.

16