النملة الانتحارية

الأربعاء 2016/09/14

لاحظ علماء الأحياء أن البعض من النمل يشذ عن القاعدة، يترك خلية مملكة النمل في المساء قبل حلول الليل، ولا يلتزم العمل الجماعي المنتظم المشهور به النمل، وبدلا من ذلك ينشغل بتسلق عشبة، ليقف على رأسها، إن سقط يكرر المحاولة، فيتسلق من جديد حتى يتمكن في النهاية من الوصول إلى غايته، ويثبت نفسه هناك ممسكا رأس العشبة بفكيه بقوة، ويبقى في هذه الوضعية الغريبة حتى حلول الصباح. ينزل من على العشبة وينتظم مجددا في العمل من موقعه ضمن مجتمع النمل، وحين يحل المساء يعود لممارسة عادة تسلق العشب، هكذا يوما بعد يوم.

هذا السلوك الغريب حير علماء الأحياء، فلم يجدوا له أي تفسير، فما مصلحة النمل في هذا الفعل الشاذ؟ مهما فكروا وبحثوا لم يكتشفوا سببا مقنعا أو فائدة قد يحققها النمل، ثم لماذا بعض النمل وليس كله؟ هل هذا النمل مصاب بمرض أو بخلل دماغي ما؟

نعم، اكتشف العلماء أن هذا النمل فعلا مصاب بيرقات دودة طفيلية دقيقة جدا Lancent Fluke تصيب الجهازالعصبي للنملة، وتتحكم بجهازها العصبي وبالتالي بتصرفاتها وطقوسها، وتجعلها تداوم ليليا على تسلق العشب، حتى يأتي حيوان ما فيأكل العشبة والنملة المتشبثة بها، ليصاب هو بدوره بيرقات الدودة الطفيلية،التي تنخر في جسم الضحية حتى تصل كبد الحيوان المصاب، وتنمو هناك وتصل مرحلة البلوغ في دورة حياتها.

تضع الدودة بويضات دقيقة جدا تخرج مع براز الحيوان، حتى تصل بعض النمل الذي تسيره وتسلب إرادته وتجعله يتصرف بعكس مصلحته ويتسلق العشب ليلا، وفي النهار ينزل عن العشب، وإن لم يفعل ذلك تقتل أشعة الشمس النمل واليرقات التي تسيطر عليه.

يتساءل الفيلسوف وعالم الإدراك، دان بينت، “هل هذه الظاهرة الطبيعية التي تجعل النمل يتصرف عكس مصالحه وعكس غريزته في البقاء على قيد الحياة ودون أي مصلحة ذاتية، هي أيضاً المسؤولة عن ظواهر طبيعية أخرى، وهل هناك احتمال أن يكون الإنسان وفي مجتمعات بعينها تعرض لإصابات من كائنات طفيلية تتحكم بسلوكياته؟”.

حتى الآن لا يوجد دليل على وجود إصابات بين البشر بهذا النوع من الطفيليات المتحكمة بالسلوك، لكن الفيلسوف دان بينت، يقول “في حالة الإنسان إنها الأفكار، الأفكار التي تتحول مع الزمن إلى كائنات طفيلية، تنمو وتنتقل من جيل إلى آخر، تجعلنا نرتكب سلوكيات ضد مصالحنا وحاجاتنا وغرائزنا الفردية وضد مجتمعاتنا”.

الملايين من الناس ماتوا ومازالوا يموتون مضحين بحياتهم من أجل أفكارهم، فناس ماتوا من أجل الشيوعية والرأسمالية، وآخرون ضحوا بحياتهم من أجل الحرية، أو في سبيل مذاهب وطوائف مسيحية أو إسلام والمئات من المعتقدات الأخرى. أفكار فتاكة تنمو وتتكاثر وتأخذ كينونتها الخاصة يطلق عليها العلماء مسمى “الميمات” لأنها مثل الجينات تنقسم وتتكاثر وتنتقل باستخدام الإنسان واستعباده.

24