النموذج أم المثال

السبت 2014/03/01

من منطقة التدقيق بالمفردة الواحدة ومنطوقها المباشر والبعيد، تراني أُخضِعُ للفحص والتأمل ما باتَ منتشراً كعناوين لمقالات، ودراسات، وقراءات تبتغي الوصول إلى ما هو عام استناداً إلى ما هو خاصّ! وأعني هنا تلك العناوين التي تأتي على النحو التالي، أو ما يماثله -وعذراً للأسماء الوهميّة: (صورةُ الرجل في كتابة المرأة: حسنيّة حسن في مجموعتها “الطريقُ إليه” نموذجاً)! أو (المدينةُ في الرواية العربية: “الشوارع تصعدُ وتهبط” لبشير البَشّار نموذجاً)! أو (السمات اللغوية في القصيدة الأردنية الحديثة: ديوان “الناجي من الضَلال” للشاعر مسعود الخافي نموذجا! إلخ.

إنّ عناوين كهذه، عند خضوعها للتأمل المتأني، تضعنا مباشرةً أمام استحالة حقيقيّة ومؤكدة. فهل يجوز، لأيٍّ كان وضع كتب محدَدة كنماذج يستقي قارئُ هذه الدراسة، أو تلك القراءة، مجموعةَ علامات متوفرة حقاً، وتشيرُ إلى كافة النصوص المكتوبة من قِبَل جميع الكتّاب والكاتبات، والتي تضمنَت المواضيعَ المُشار إليها، وعلى نحوٍ تكفيه قراءة واحدة لكتابٍ واحد للإلمام بالمشهد بكافة أبعاده؟

بمعنى: هل صورة الرجل التي رسمتها القاصّة حُسنيّة حسن في مجموعتها “الطريقُ إليه” هي ذاتها، أو حتّى شبيهة بصورته، مثلاً، لدى قاصّة أخرى في مجموعة أخرى في سياق جزئي آخر؟ وهل المدينة في عين ووعي ومعالجة بشير البَشّار في روايته “الشوارع تصعد وتهبط”، هي ذات المدينة التي تحركت في طرقاتها وعاشت أحداثها شخصيات روائي آخر في رواية أخرى؟ وهل اللغة الشعريّة الخاصّة بالدكتور مسعود الخافي في ديوانه “الناجي من الضَلال” تملكَ درجة التوتر، مثلاً، لدى شاعر آخر يعيش اللحظة الزمنيّة الواحدة والمكان المجتمعي الواحد؟

فالنموذج لا يكون كذلك إلاّ بتضمينه لمجموع الخصائص المشتركة ذات التوّجه الواحد والطبيعة الواحدة داخل مجموعة نصوص لعددٍ كبير من الكتّاب والكاتبات؛ وإلاّ ما عاد بمقدورنا اعتماده نموذجاً. ونحن لا نعثرُ على مغالطات فاحشة كهذه إلاّ لأنَّ النقد الذي يبتغي الحفرَ ومعاينة الفروق يحتاج جهداً، ومعرفةً لا يحتاجهما كُتّابُ هكذا عناوين. ثمّة فرق بين النموذج والمِثال. فالنموذج اختزالٌ لمشتركاتٍ موجودة بالفعل. أما المِثال؛ فحضورٌ متفرّدٌ لا يعكس سوى نفسه، بعيداً عن سواه.


* كاتب من الأردن

17