النموذج الأفضل قد يأتي من موريتانيا

افتتاح الدورة النيابية الجديدة ستعطي أهمية للمبادرات التشريعية ولاجتهادات النواب وللتحالفات القائمة، بهدف ضمان المزيد من الاستقرار السياسي والاجتماعي.
الخميس 2018/10/04
تشكيل ملامح ربيع موريتاني حقيقي لا يعترف بالفتنة ولا بالفوضى

تدشن موريتانيا اليوم الدورة النيابية الجديدة للجمعية الوطنية بعد انتخابات سبتمبر الماضي في شوطيها الأول والثاني، والتي مكنت حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم من تأكيد سطوته السياسية وشرعيته الشعبية، حيث يحظى في البرلمان الجديد بـ89 مقعدا مقابل 14 مقعدا لحزب تواصل الإخواني، بينما تنقسم بقية المقاعد إلى ستة لكل من حزب الاتحاد من أجل الديمقراطية والتقدم وحزب الكرامة، وأربعة مقاعد لكل من الحزب الوحدوي لبناء موريتانيا، وحزب التحالف الوطني الديمقراطي، وثلاثة مقاعد لكل من حزب الصواب، والحراك الشبابي من أجل الوطن، وحزب الشورى من أجل التنمية، والتحالف الشعبي التقدمي وتكتل القوى الديمقراطية، واتحاد قوى التقدم، ومقعدين اثنين لكل من حزب الوئام وحزب العهد الوطني من أجل الديمقراطية والتقدم، يضاف إليها مقعد واحد لكل من حزب المستقبل وحزب الإصلاح والتحالف من أجل العدالة والديمقراطية وحركة التجديد وتحالف حزب الوفاء الموريتاني وحزب طليعة التغيير الديمقراطي والاتحاد الديمقراطي الوطني وحزب الوفاق من أجل الرفاه وحزب السلام والتقدم الديمقراطي وحزب الغد الموريتاني.

انطلاقا من هذه النتائج، ستؤول رئاسة البرلمان إلى العقيد المتقاعد من جيش البحرية، والنائب عن دائرة أزويرات الشيخ ولد بايه، الذي كان إلى حد الأسبوع الماضي مستشارا في مكتب وزير الصيد والاقتصاد البحري، قبل أن يقيله مجلس الوزراء تمهيدا لتحمّل أعباء رئاسة الجمعية الوطنية، انسجاما مع ما أقره الدستور من منع أية ازدواجية للمسؤوليات.

وولد بايه يستمد قوته من شعبيته الجارفة في شمال البلاد، إلى جانب علاقة الصداقة الوطيدة التي تربطه بالرئيس محمد ولد عبدالعزيز، وقد سبق له أن شغل وظيفة عمدة مدينة الزويرات، ومن خلالها رئيس عمد موريتانيا، وهو يجمع بين الانضباط العسكري ومرونة الناشط المدني، ما يجعل البعض يرشحه لخوض منافسات رئاسيات 2019، خصوصا إذا لم يتم تنقيح الدستور بما يفسح المجال أمام الرئيس ولد عبدالعزيز للترشح لعهدة ثالثة، رغم أن نتائج الانتخابات البرلمانية والجهوية والبلدية التي عرفتها البلاد في 1 سبتمبر الماضي (الجولة الأولى) و15 منه (جولة الإعادة) أعطته شرعية شعبية لا غبار عليها وأغلبية برلمانية كاسحة، ليعدّل النص الدستوري بما يسمح له بخوض الانتخابات والبقاء في منصبه، وخاصة في ظل التطور الملحوظ الذي تشهده البلاد في مختلف المجالات، والإشعاع الذي ما انفكت تحققه إقليميا وقاريا ودوليا.

كما أنه من الثابت أن حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الذي أسسه الرئيس ولد عبدالعزيز في نوفمبر 2009، بات مهيمنا على المشهد السياسي في موريتانيا، خصوصا مع تراجع حضور حزب تواصل الإخواني، الذي ورغم الدعم الذي يجده من قوى إقليمية كتركيا وقطر، والأموال التي يحصدها من شبكاته العنكبوتية في مجالات التجارة والخدمات، ومن زكوات أثرياء الداخل والخارج، لم يعد قادرا على المنافسة على حكم البلاد، كما كان يرجو انطلاقا من معطيات عدة منها انهيار المشروع الإخواني ومشروع الإسلام السياسي عموما في المنطقة العربية، وانتكاسة ما سمي بثورات الربيع العربي وذهاب ريح القائمين عليها، ثم بعد أن اتخذت الدولة الموريتانية موقفا حاسما في اتجاه التحالف مع الدول الداعية إلى مكافحة الإرهاب منذ أن أعلنت في يونيو 2017 قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الدوحة، وأكدت آنذاك اكتشافها مخططات قطرية إخوانية لاستهداف سيادتها وسلمها الأهلي ووحدة شعبها واستقرار مجتمعها.

وما زاد من تأكيد هذا الموقف أن السلطات في نواكشوط انطلقت في تجفيف منابع الفكر الإخواني وقطع سيل تمويلاته، عندما أعلنت عن غلق مركز تكوين العلماء، ثم جامعة عبدالله بن ياسين الخاصة، وسحب رخصتيهما، وهما مؤسستان ضمن إمبراطورية يتزعمها الأب الروحي للإخوان الموريتانيين، وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، محمد الحسن ولد الددو، وتهدف إلى التغلغل في مفاصل الدولة والتمكن من النسيج المجتمعي، عبر تربية عقائدية تكفّر الآخر وترفض الاعتراف بسيادة الدولة وبالمشروع الوطني، ولا ترى مانعا في الذهاب بعيدا في التفريط في قيمة الانتماء إلى الوطن، مقابل التمسك بالولاء للجماعة العابرة للحدود، وهو ما يتناقض مع ثوابت الدولة الوطنية، خاصة عندما تكون ذات تنوع عرقي وإثني وثقافي مثل موريتانيا.

افتتاح الدورة النيابية الجديدة والأولى بعد الاستفتاء على التنقيحات الدستورية، وفي ظل إلغاء الغرفة الثانية للبرلمان ومع قرب الاستحقاق الرئاسي، سيعطي أهمية استثنائية للمبادرات التشريعية ولاجتهادات النواب وللتحالفات القائمة خاصة بين أحزاب الأغلبية، بهدف ضمان المزيد من الاستقرار، ومحاصرة أي محاولات لاختراق الدولة عبر منظومة الإسلام السياسي، وللاستمرار في تشكيل ملامح ربيع موريتاني حقيقي لا يعترف بالفتنة ولا بالفوضى، ولا يخضع لعدوانية الإخوان ومشروعهم التخريبي، ومن يدري فقد يأتي النموذج الأفضل من موريتانيا.

9