النمو الجامح للاقتصاد التركي يضيع في حفرة انحدار الليرة

حكومة أردوغان مصرة على تسريع النمو رغم التكلفة الباهظة، والعملة التركية فقدت 72 بالمئة من قيمتها خلال 10 سنوات.
الاثنين 2018/04/02
سقوط حر لليرة التركية

لندن – رغم تباطؤ نمو الاقتصاد التركي منذ بداية العام إلا أنه لا يزال ينمو بوتيرة عالية تبلغ 7.3 بالمئة بعد أن سجل 11.3 بالمئة في الربع الرابع من العام الماضي ومعدل 7.4 بالمئة عن مجمل العام.

وتبدو حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان مصرة على سياسة تحفيز التوسع الاقتصادي رغم التكلفة العالية، التي لا تقف عند الضغط على القوة الشرائية للمواطن التركي التي تتراجع بسبب انحدار قيمة الليرة وزيادة التضخم.

ويصبح ذلك النمو بلا معنى عند مقارنته بفقدان الليرة لأكثر من نسبة النمو منذ بداية العام مقابل الدولار، ويضاف إلى ذلك معدل التضخم الذي يبلغ حاليا 10.3 بالمئة وهي أعلى نسبة بين الأسواق الناشئة.

أما عجز ميزان المدفوعات فقد ارتفع إلى 5.6 من الناتج القومي الإجمالي وهو الأعلى بين الدول النظيرة لتركيا التي تشهد زيادة كبيرة في الواردات على حساب الصادرات.

وتصرّ هاتيس كاراهان المستشارة الاقتصادية البارزة للرئيس أردوغان في تغريدة نشرتها على موقع تويتر يوم الخميس، على اعتبار نسبة النمو انعكاسا لـ“سياسات حكيمة من قبل الحكومة”.

وكالة موديز خفضت تصنيف الديون السيادية التركية إلى أقل بدرجتين عن درجة الاستثمار في الشهر الجاري
وكالة موديز خفضت تصنيف الديون السيادية التركية إلى أقل بدرجتين عن درجة الاستثمار في الشهر الجاري

لكن الواقع يؤكد حقائق مختلفة. فالمؤشرات تدل على تدهور اقتصادي سببه الخفض الضريبي الذي أقرته الحكومة وضمانات القروض وإجبار البنك المركزي على إبقاء معدلات الفائدة منخفضة. ويبدو أردوغان مصرا على استمرار النمو الاقتصادي مهما كان الثمن، حتى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة في نوفمبر 2019.

وقال وزير الاقتصاد نهاد زيبكجي بعد إعلان الأرقام الاقتصادية المخيفة إن تركيا قد دخلت “مرحلة النمو السريع” وإنها ستتجاوز نسبة النمو المتوقعة وقدرها 5.5 بالمئة لعام 2018.

لكن البيانات تؤكد أن النمو في تركيا يتحقق بتكلفة هائلة خاصة في ما يتعلق بخفض قيمة الليرة، وبمخاطر جمّة للمستثمرين الذين ضخوا أموالهم في هذا البلد، وهو ما يزيد قلقهم ويضاعف مشاكل الليرة التركية.

وكان الانهيار المفاجئ الذي أصاب الأسواق الآسيوية قبل أيام، والذي تردد أن سببه محاولة وقف الخسائر التي تعرض لها تجار التجزئة اليابانيون، قد أضر بالليرة التركية فانخفضت إلى 4.038 مقابل الدولار، وهي أقل قيمة تم تسجيلها للعملة التركية.

وترجّح مجموعة “سي.أم.إي” أن تتراجع الليرة إلى 4.35 بحلول ديسمبر و4.75 ليرة للدولار في سبتمبر من العام المقبل، أي قبل أيام من موعد الانتخابات. بعد أن كانت تبلغ قيمتها 1.15 ليرة للدولار قبل الأزمة المالية عام 2008 أي أنها فقدت 72 بالمئة من قيمتها خلال 10 سنوات.

ويبدو البنك المركزي مترددا في زيادة أسعار المعدلات منذ زيادتها بنصف نقطة مئوية في ديسمبر لتصل إلى 12.75 بالمئة، بسبب الضغط الذي تمارسه الحكومة. وتقول شركة “أف.اكس واير برو” إن ذلك أدخل الاقتصاد في دائرة مفرغة بين خفض قيمة العملة والتضخم الذي يؤدي إلى مبالغة كبيرة في أسعار صرف العملات.

ويستبعد وليام جاكسون، خبير الأسواق الناشئة بوكالة كابيتال إيكونوميكس للاستشارات الاقتصادية في لندن، أن يفرض البنك المركزي قيودا على سياسته النقدية أمام الدولار. ويقول “إن التجارب السابقة تظهر حاجة الليرة لخفض قيمتها إلى 4.25 مقابل الدولار”.

وتوصي مؤسسات مالية مثل غولدمان ساكس ويوني كريدي العملاء ببيع العملة التركية. في حين يؤكد رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم أن الحكومة تخطط لتقديم محفزات إضافية بقيمة 32 مليار دولار لدعم النمو الاقتصادي في برنامج تمويل مستهدف.

جميل إرتيم: تركيا ستطبق سياسات معاكسة تماما لما أوصى به صندوق النقد الدولي
جميل إرتيم: تركيا ستطبق سياسات معاكسة تماما لما أوصى به صندوق النقد الدولي

يأتي هذا بعد أن قدمت الحكومة حزما مالية إضافية في صورة ضمانات قروض للشركات الصناعية بلغت قيمتها الإجمالية أكثر من 25 مليار دولار في العام الماضي.

ويقدّم جميل إرتيم وهو من كبار مستشاري أردوغان، أدلة إضافية على عزم أردوغان السماح بتراجع قيمة الليرة بالقول إن العملة تتداول بشكل حر وسوف تصل في النهاية لمستواها الطبيعي.

لكن يبقى غير معلوم المدى الذي يمكن أن تصل إليه الحكومة في سماحها بخفض قيمة الليرة الذي يعد أحد الاسباب الرئيسية لارتفاع التضخم وتراجع القوة الشرائية للمواطن التركي، إضافة إلى أنه يجعل من الصعب على الشركات التركية سداد ما عليها من ديون خارجية.

وحتى بعد الإجراءات الحكومية لتقييد فرص الشركات التركية في الاقتراض بالعملات الأجنبية، فإن ديون تلك الشركات تبلغ حاليا نحو 214 مليار دولار، وهو رقم قريب من المستوى القياسي لديون الشركات وفقا لبيانات البنك المركزي.

وتتجاوز تلك المستويات لديون الشركات ضعف مستوياتها في عام 2009 ويتركز أكثر من 80 بالمئة من هذا المبلغ لحساب البنوك التركية.

ومن بين المؤسسات التي حذرت من تدهور الاقتصاد التركي، صندوق النقد الدولي ومؤسسة موديز لخدمات الاستثمار، التي خفضت تصنيف الديون السيادية التركية إلى أقل بدرجتين عن درجة الاستثمار في مارس الجاري. وحذّرت المؤسستان كذلك من أثر التضخم والدين الخاص على الاقتصاد.

لكن حتى الآن لم تلق تحذيرات هاتين المؤسستين أي اهتمام. فقبل أسبوعين قال إرتيم “إن سياسات صندوق النقد قد عفا عليها الزمن، وإن تركيا ستطبق سياسات معاكسة تماما لما أوصى به مسؤولو الصندوق”.

10