النمو المصري يتحدى تداعيات كورونا رغم التحديات الاجتماعية

تحرير الأسعار وتعويم الجنيه ينعشان المؤشرات الاقتصادية ولا يكبحان الفقر.
الجمعة 2020/10/30
سوق مصرية تكسر الحواجز الإقليمية

تؤكد البيانات والمؤشرات أن الاقتصاد المصري تمكن من تحقيق النمو رغم تداعيات جائحة كورونا حيث يكشف ذلك عن نجاعة سياسة تحرير الأسعار وتعويم الجنيه في تعزيز الفرص الاستثمارية وتطوير الأداء المالي للبلد رغم التحديات الاجتماعية وارتفاع نسب البطالة والفقر.

القاهرة - سار الاقتصاد المصري عكس تيار كورونا بتحقيق نسبة نمو فاقت التوقعات نظرا للسياسة الإصلاحية الموجعة التي قادتها الحكومة للضغط على انفلات الموازين المالية والسيطرة على التضخم حيث مكّن تحرير الأسعار وتعويم الجنيه القاهرة من قطف ثمار حسن إدارتها لاقتصادها بفرص استثمار هامة وأداء مالي متطور.

وتؤكد الأرقام والمؤشرات أن أداء الاقتصاد الكلي المصري كان قويا خلال الأزمة الصحية حيث استمر في جذب المستثمرين الأجانب.

كما تميز الأداء المالي بالاستقرار المالي رغم التحديات الاجتماعية الكبيرة على غرار ارتفاع مستويات الفقر والبطالة، والتي ستصبح عبئا سياسيا إذا تسببت في احتقان شعبي وتأجيج المشاعر المناهضة للحكومة .

وقال وزير المالية المصري في خطاب ألقاه في 18 أكتوبر إن “النمو الاقتصادي تجاوز توقعات وزارة المالية لسنة 2020”.

وتزامن ذلك مع نظرة وكالة فيتش للتصنيف الائتماني ودويتشه بنك وصندوق النقد الدولي الإيجابية لمصر حيث تتوقع جميعها نمو الاقتصاد المصري بنسبة 3.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2020، متجاوزا أداء عدد من جيرانها.

وتعد مصر الاقتصاد الوحيد الذي يتلقى الأموال من البنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية والذي من المتوقع أن يتجنب الركود في 2020.

وقطفت مصر ثمار سياستها الموجعة لإصلاح انخرام الاقتصاد حيث استفاد الاقتصاد من سياسات تحرير أسعار الصرف منذ أن قررت الحكومة تعويم عملتها في نوفمبر 2016، مما ساهم في جذب المستثمرين وتحسين تدفقات رؤوس الأموال التي انخفضت بعد اندلاع ثورات الربيع العربي في 2011.

ويرى خبراء أن اهتمام المستثمرين بالقاهرة سيزيد حاجتها إلى إصدار السندات والحصول على قروض لتمويل ميزانيتها، لكن ذلك من جهة أخرى سيفاقم احتياجات التمويل الخارجي وإجمالي الدين العام.

وبالنظر إلى البيانات والمؤشرات الاقتصادية في المنطقة تظل مصر واحدة من أقوى الدول على مستوى الأداء المالي في الشرق الأوسط، بما يعزز جاذبيتها الاستثمارية حتى وسط الضغوط الاقتصادية التي يفرضها الوباء.

ومن المتوقع أن يصل إجمالي احتياجات التمويل في مصر لخدمة ديونها الخارجية إلى 9.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال الأشهر الـ12 المقبلة.

وكانت مصر قد طرحت أول سند أخضر في أواخر سبتمبر، وجمعت حينها 750 مليون دولار لمشروعات مكافحة التلوث وتعزيز الطاقة المتجددة.

وبلغت عائدات السندات نحو 5.25 في المئة، وتشير نسبة الاكتتاب إلى ارتفاع  في اهتمام المستثمرين بهذا النوع من التمويل، وبمصر.

وفي مايو، استطاعت وزارة المالية تنفيذ أكبر إصدار دولي للسندات الدولية بقيمة 5 مليارات دولار على 3 شرائح، مسجلة بذلك أكبر إصدار لها. ووفقا لوحدة الاستخبارات الاقتصادية، جمعت القاهرة 20 مليار دولار من المؤسسات الدولية وأسواق الائتمان منذ أن بدأت الجائحة العالمية.

3.5

في المئة نسبة نمو الاقتصاد المصري من الناتج المحلي الإجمالي في 2020، متجاوزا التوقعات

ومع ذلك، لا تزال الأوضاع الاجتماعية متردية حيث لم تمتد الإصلاحات إلى المعيشة اليومية للآلاف من المصريين الذين تتواصل معاناتهم وسط ارتفاع مستويات البطالة وانخفاض النشاط السياحي بفعل الوباء.

ويتناقض نجاح القاهرة الاقتصادي مع حقيقة بقاء نحو 32.5 في المئة من المصريين تحت خط الفقر، مما يهدد استقرار البلاد على المدى الطويل.

كما يتعرض الوضع الاقتصادي الخارجي المصري إلى ضغوط متزايدة، خاصة إذا انخفضت تحويلات العاملين المغتربين في المدى القريب.

وعلى الرغم من النمو الاقتصادي الإجمالي، من المتوقع أن ينخفض ​​النشاط في قطاع السياحة في مصر (الذي يوظف 12 في المئة من المصريين ويغطّي 19 في المئة من العملة الصعبة) بنسبة تصل إلى 70 في المئة خلال 2020 بسبب استمرار انتشار فايروس كورونا المستجد.

ووفقا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ارتفع معدل البطالة في البلاد من 7.7 إلى 9.6 في المئة خلال الأشهر الستة الماضية.

ومن جهة أخرى يبدو أن سعي القاهرة المستمر نحو الإصلاحات الاقتصادية الملائمة للأعمال التجارية بدلا من الإجراءات الاجتماعية لكبح الفقر قد يخلف نتائج عكسية من خلال زيادة مخاطر الاضطرابات الاجتماعية التي تعيق الاستثمار الأجنبي.

ما يميز مصر حسب خبراء هو التزامها بالإصلاحات الاقتصادية الهيكلية مهما كانت كلفتها، والتي شملت في وقت قريب خفض الدعم المكلف وزيادة الضرائب والرسوم، وتمكنت القاهرة من إعطاء صورة إيجابية عن مناخ الاستثمار والأعمال لكنها فشلت في جسر الهوة بين الطبقات الاجتماعية.

وتشير تقارير وأبحاث دولية إلى أن بعض السياسات التي اعتمدتها القاهرة، حتى تلك التي ضمنت استقرار الاقتصاد الكلي وجاذبية الاستثمار قد أدت في نفس الآن إلى زيادة معدلات الفقر وعرضت بعض البرامج الاجتماعية للخطر، مما أدى إلى المزيد من الاستياء العام.

ووجد آخر تحديث للحكومة المصرية بشأن معدلات الفقر على مستوى البلاد، والذي صدر في 2019، أن سياسات الإصلاح الاقتصادي التي نُفّذت بين 2016 و2018 أدت إلى زيادة معدلات الفقر في جميع أنحاء البلاد بنحو 5 في المئة.وخلال فصل الصيف، تحركت القاهرة لزيادة تكاليف المرافق والنقل العامين. وفي حين ساعد هذا في توفير المزيد من الإيرادات للحكومة، إلا أن زيادة تكلفة المعيشة في خضم الجائحة لاقى انتقادات المصريين.

واندلعت مظاهرات نادرة مناهضة للحكومة في جميع أنحاء البلاد خلال الأسبوعين الأخيرين من شهر سبتمبر. وحسب ما ورد، كانت المظالم الاقتصادية الدافع وراء العديد من الاحتجاجات.

وسجل احتياطي النقد الأجنبي لمصر ارتفاعا إلى نحو 45.354 مليار دولار في نهاية نوفمبر الماضي، ليغطي واردات البلاد تسعة أشهر.

وحقق قطاع السياحة قفزة كبيرة في الإيرادات في السنة المالية 2018 – 2019، والتي بلغت نحو 12.57 مليار دولار، بزيادة نسبتها 28 في المئة عن السنة المالية السابقة.

11