النهار اللبنانية تتحول إلى الإشتراكات الإلكترونية لوقف تراجعها المتسارع

في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها الصحف اللبنانية، وجدت صحيفة النهار نفسها أمام خيارين؛ إما إقفال الصحيفة وصرف العشرات من الموظفين وإما البحث عن مصدر جديد، وهو القرار الذي لجأت إليه بتحويل جزء من محتواها الإلكتروني إلى خدمة مدفوعة.
الخميس 2017/05/11
النهار تعول على قرائها

بيروت – اتخذت صحيفة النهار اللبنانية قرارا بتخصيص مواد على الموقع الإلكتروني كخدمة مدفوعة الأجر، لمواجهة الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالصحافة في لبنان، في بادرة هي الأولى من نوعها في العالم العربي، لكن سبقتها إليها صحف غربية عديدة.

وحجبت صحيفة “النهار”، وهي أعرق صحيفة لبنانية تأسست عام 1933، معظم مواضيعها وتقاريرها الخاصة عن قراء موقعها الإلكتروني، لتصبح هذه الخدمة مدفوعة مسبقا، بداية من منتصف أبريل الماضي، وجاء ذلك بعد اجتماعات إدارية عديدة لاتخاذ هذا القرار الحاسم، على أمل إبقاء الصحيفة العريقة على خارطة الإعلام اللبناني.

وتعتبر خطوة النهار مغامرة صحافية، إذ يعتبر خبراء الإعلام أنه من الصعوبة إقناع القراء باستهلاك محتوى إلكتروني مدفوع الأجر، بينما يحصلون فعليا على سيل من المعلومات المجانية عبر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وفق ما أكد أستاذ الصحافة في جامعة “يو إس سي” في كاليفورنيا، قائلا إن “الناس أقل استعدادا بكثير للدفع في مقابل الحصول على معلومات عبر الإنترنت مقارنة بالصحافة المكتوبة”.

ويأتي قرار الجريدة، التي أسسها الصحافي الراحل جبران تويني (الجدّ) وترأسها حاليا الحفيدة النائبة البرلمانية نايلة تويني، وهي من بين 12 جريدة تعمل في لبنان، بعد دراسة وضع الصحف في لبنان وما آل إليه، مع الأخذ في الاعتبار مصير صحيفة “السفير”، ثاني صحف لبنان بعد “النهار” عراقة وتاريخا، حيث أغلقت أبوابها نهائيا أواخر يناير الماضي بسبب أزمة مالية كبيرة ضربتها.

غسان حجار: على القارئ المهتم بقراءة الصحف اليومية تحديد مصير صحيفته المفضلة

ويتقاسم الإعلام اللبناني بأكمله الأزمة الاقتصادية جراء تراجع عدد المعلنين والأزمـات في الكثيـر من الـدول العـربية، وأيضـا بسبـب الانتشار الواسـع للمـواقع الإلكتـرونية، التي باتت المصدر الرئيسي لنشر المعلومة.

وقال غسان حجار مدير تحرير “النهار”، عن الخدمة الصحافية المدفوعة مسبقا، إن “الموقع الإلكتروني للنهار لا يزال متاحا مجانا أمام الجميع، لكن هناك حزمة من الأخبار والمواضيع والتحقيقات الخاصة أصبحت ضمن خدمة جديدة ومدفوعة سلفا من قبل القارئ مقابل 6 دولارات أميركية شهريا، ليشارك القارئ معنا، كمساهمة منه، لقاء خدمة تُقدّم له، تماما مثل أي خدمة أخرى يحصل عليها القارئ في عالم الاقتصاد والتجارة”.

وأوضح حجار أنه “في ظل الأزمة الاقتصادية، التي تعاني منها الصحف اللبنانية، كنا أمام خيارين؛ إما إقفال الصحيفة وصرف العشرات من الموظفين وهذا أمر خطير، وإما البحث عن مصدر جديد”.

وتابع “ارتأينا اعتماد طريقة الاشتراك الشهري الإلكتروني، لا سيّما أن تراجع الإعلانات في الصحف الورقية أدّى إلى تراجعها ماديا، وبالتالي صُرف المئات من الموظفين لعدم قدرة هذه المؤسسات على المتابعة”.

واعتبر مدير تحرير “النهار” أن “على القارئ المهتم بقراءة الصحف اليومية تحديد مصير الصحيفة التي يحبها، إما المحافظة عليها عبر دعمه لنا بمبلغ رمزي جدا (6 دولارات) وإما رفضه الفكرة، وهذا الأمر يشكّل تهديدا جدّيا للصحف”.

وأعرب حجار عن أسفه أن “لبنان الذي اشتهر عبر التاريخ الحديث بأنه بلد الإعلام والأدب، وأنّ أبرز الإعلاميين الذين لمعوا في العالم العربي هم من لبنان، تتحول الصحافة فيه إلى مجرّد ذكرى خاصة الصحافة المكتوبة”.

وأردف قائلا “نحن كصحافيين نرفض فكرة شراء هذه المؤسسات من قبل رؤوس أموال خارجية؛ ما سيؤثر سلبا على حرّية التعبير، ليبقى الخيار الأفضل هو دعم القارئ للصحف، كذلك فعلت القنوات اللبنانية السنة الماضية، حين اجتمع مدراؤها للبحث في سبل تمويل محطاتهم من قبل فرض اشتراك شهري على المشاهد لمشاهدة حزمة من البرامج مقابل 10 دولارات شهريا، لكن هذا المشروع لم يتحقق بعد”.

خدمة المحتوى مدفوع الأجر مغامرة صحافية يحدد مصيرها القراء

ولفت حجار إلى أن “الصحيفة المحلّية الوحيـدة في لبنـان التي سبقـت النهـار إلى تلك الخطـوة (الاشتراك الشهري الإلكتروني) هي صحيفة تصدر باللغـة الفرنسية (لوريون لو جور)، وهذه الجريدة تتوجه إلى نخبة محددة من جمهـور اللغـة الفـرنكـوفـونية، فيما الصحف العربية لم تسلك هذا الدرب بعد”.

وتشير التجارب الأميركية في هذا المجال إلى أن “نيويورك تايمز” و“وول ستريت جورنال” و“فاينانشال تايمز” حققت نجاحا بسبب فرادة مضامينها.

وقال آلان موتر رئيس التحرير السابق في صحف في شيكاغو وسان فرانسيسكو الذي يعمل حاليا مستشارا في القطاع الإعلامي، في تصريحات سابقة، إنه “من الصعب بالنسبة إلى موقع إلكتروني منوع أن يفرض بدلا ماليا مقابل المعلومات التي في الإمكان الحصول عليها مجانا بمجرد الضغط على نقرات بسيطة”.

ويمكن القول إن التجربة أكثر صعوبة في العالم العربي، ويتشكك الكثير من المتابعين في إمكانية نجاحها.

ومن جهته علق عوني الكعكي نقيب الصحافة اللبنانية، صاحب جريدة “الشرق” (وهي سياسية تأسست في 1983) على قرار النهار باللجوء إلى الاشتراك الشهري الإلكتروني، وقال “أنا كصاحب مؤسسة إعلامية وكنقيب أيضا أشجع تماما خطوة صحيفة النهار، فالدفع الشهري الرمزي من قبل القارئ يساهم كثيرا في الحفاظ على استمرارية صحيفته المفضلة”.

واعتبر الكعكي أن “الصحف اللبنانية على وشك الانقراض، ولا يوجد أي دعم من الحكومة اللبنانية للحفاظ عليها حتى الدول العربية التي كانت تدعمنا توقفت، ولم تبق سوى الكويت التي تدعم الصحف اللبنانية، دون أي تدخل منها أو فرض وجهات نظر سياسية عليها، ولكن إيمانا منها بأن الإعلام اللبناني هو عرّاب الإعلام العربي ويجب التمسّك به”.

وأضاف أن “هناك بعض الشركات المحلّية تدعم بدورها الصحف، مثل شركة طيران الشرق الأوسط وشركات الاتصالات”.

وكشف الكعكي عن مخطط لإنقاذ الصحف اللبنانية قائلا “كنقيب، وبالتشاور مع أعضاء النقـابة وممثلي الصحـف في لبنـان، أصبح هنـالك مشروع قـانون جـدّي عرضنـاه على الحكومة، وسيبصر النور قـريبا، وهـذا القانون من شأنه إيجـاد دعم حكـومي للصحف المحلية لعدم زوالها وإنقاذ ما يمكن إنقاذه”.

18