النهاية الآن، أو ربما ليس بعد.. في الأعمال التشكيلية

فنانون كثر اشتهروا بتصويرهم للأبعاد الجهنمية للوجود وما بعده، وهي تتأرجح ما بين الواقع والخيال وما بين الحاضر والمستقبل.
الأربعاء 2020/04/08
الجحيم والجنة عالمان مُتداخلان (لوحة للفنان هيرونيموس بوش)

ينمو اليوم حس التأويل في ذروة فصوله بين تشقّقات الوجود وتجرّحات النوافذ المُطلة على الذات وعلى العالم الذي تتغيّر ملامحه بشكل سريع، دون أن تكون هناك الفرصة المُتاحة إلى التّماس معه واقعيا بسب قوانين الحجر الصحي الصارمة. تماس قد يلعب دور التحفيف من جنوح الخيال ليكون أقل مبالغة وأكثر قابلية للتطويع.

من دواخل بيوتنا المُوصدة نتحوّل بتحوّل العالم ليطفو على سطح الوعي كل أنواع السناريوهات الأكثر غرابة إن لم نقل، فظاعة. بات التأويل سيد الحاضر والأفعال. ولأجل جعله قانونا شاملا تنتفي أهمية كل أمر آخر لا يخدم هذا التأويل.

لم يكن حسّ التأويل يوما بعيدا عن حياة الإنسان، وإن كان من المستحيل العودة هنا إلى أبعد تاريخ بدأ فيه الإنسان حياته في هذا الوجود. يُمكننا على الأقل العودة إلى أواخر القرن الرابع عشر مع الفنان هيرونيموس بوش، لاسيما إلى لوحته التي تحمل اسم “حديقة الملذات”. لماذا اخترنا الحديث عن هذه اللوحة دون غيرها من اللوحات التي يصعب إحصاؤها والتي تتحدّث عن الوجود الإنساني؟

أولا، لأنها لوحة بانورامية تصوّر الذكور والإناث، الصغار في السن والكبار وكافة طبقات المجتمع من فلاحين وأمراء ورجال دين وأغنياء. كما تصوّر الجحيم والجنة كعالمين ليسا فقط مُتجاورين يحدّ بينهما انقسام ضعيف، ولكن أيضا هما مُتداخلان في مشاهد فرعية يصعب فيها التمييز ما بين ما هو قاتم وما هو مُنير.

لوحة يظهر فيها الإنسان ليس كما في لوحات النهضة الإيطالية التي أرست مفهوم الإنسان كقلب للعالم وكفلك تدور من حوله ولأجله كل الكائنات والروايات والمظاهر الكونية، بل كتفصيل دقيق يشبه في أحيان كثيرة حشرة ترتع في أرض واسعة وتخضع لكل ما يلفح بها ومنها من رياح آثمة وعطرية.

والأهم من ذلك، ثمة ما يشي بموتها المُحتّم الذي يرافقه كظل حتى في أكثر اللحظات انغماسا بملذات الحياة الأرضية. يقف المُتأمّل في هذه اللوحة وعلى لسانه أكثر من سؤال: ماذا لو انهار الجحيم وبمعيته الجنة الأرضية والجنة الميتافيزيقية؟ ماذا لو لاقت كل هذه الكائنات البشرية مجهولة الهوية والسيرة الشخصية حتفها؟ هل سيشكل هذا الحدث أيّ أهمية كبرى؟

ربما أجاب من حيث لا يدري رئيس الولايات المتحدة الأميركية، دونالد ترامب، عن هذا التساؤل بالنفي من حيث لم يقصد، ليس لأنه الأسوأ من بين البشر، ولكن ربما لأنه الأكثر نطقا بوحشية الجنس البشري تجاه بني جنسه. فالرئيس يخاف انهيار الاقتصاد الأميركي أكثر من خوفه على موت الآلاف من الناس إذا استمر إغلاق المدن الواحدة بعد الأخرى خوفا من فايروس كورونا القاتل.

السوداوية وباء جحيمي يُهدّد الإنسان (لوحة للفنان جون مارتن)
السوداوية وباء جحيمي يُهدّد الإنسان (لوحة للفنان جون مارتن)

وما يُصوّر أيضا هيرونيموس بوش، الذي عايش مرحلة الخوف من انتشار الطاعون مثله مثل جميع معاصريه، في لوحته هو “الوباء” بالمعنى المطلق، الذي يطال الأجساد والنفوس على السواء في حالات مُتداخلة يبدو بعضها نتيجة لبعضها الآخر. تجليات نشهدها اليوم في حالة تفشي الفايروس الذي نتج عنه مرضى وقتلى وتصرفات بشرية بطولية وشريرة في آن واحد.

في عودة إلى لوحة الفنان بوش، وبالأخص إلى البيئة الحاضنة، ففي تلك البيئة، أي بداية أواخر القرن الرابع عشر، لم يعد الإنسان يعتمد حصرا على ما تفسّره أو تؤوّله الكنيسة للوجود بل أصبح  كفرد يُحاول أن يفهم بنفسه ويؤوّل العالم الذي يعيش فيه وصولا إلى تخيّل عالم ما بعد الموت. الأمر انسحب على الفنانين الذين كانوا ولم يزالوا مرآة للوجود ولكل ما يمتّ له بصلة.

لا يمكن تجاهل الأعمال الفنية التي صوّرت “الجنة” بصيغتها الأرضية والماورائية. لكن يمكن التأكيد على أن اللوحات التي صوّرت الجحيم بأشكاله وأبعاده المختلفة هي أكثر عددا وأعمق أثرا. لا مناص من ذلك، لاسيما أن الجنة بأنواعها هي حالة سلمية نتمنّاها في سكينة عيشنا الهش. أما “الجحيم”، وليس بالضرورة الجحيم بالمعنى الديني، فهو أكثر واقعية على هذه الأرض ويتطلب منا تمعّنا مُتجدّدا بمسبّباته وأحواله ونتائجه كما تتطلّب مواجهته بسالة وقتالا.

وقد اشتهر فنانون كثر في تصوير الأبعاد الجهنمية للوجود وما بعده تأرجحت ما بين الواقع والخيال، ما بين الحاضر والمستقبل. ولعل من أهمهم هو الفنان بياتر بروغل والإنجليزي جون مارتن الذي لقّب بـ”فنان الجحيم”، والفنان والكاتب وليام بليك في أعمال تنتشر فيها السوداوية كوباء جحيمي يُهدّد الإنسان في كل لحظة من حياته.

يبقى هذا السؤال معلقا، في لوحات أهم الفنانين التشكيليين وفي الكثير من لوحات فنانين عرب مُعاصرين، فوق رؤوس البشر كتهديد مُباشر يزداد سطوع نبرته كلما ارتقى الإنسان إلى مراحل أكثر طورا من الحضرية والتقدّم العلمي: هل نحن اليوم بصدد تأهيل جحيمنا إلى المرحلة النهائية؟

16