"النهاية" مسلسل مصري يثير فضول المشاهدين ويغضب إسرائيل

العمل المصري يستشرف مستقبلا باهرا للدول العربية في المجال التكنولوجي والعسكري.
الأربعاء 2020/04/29
"النهاية" ألغى فكرة إسرائيل الخارقة

فتح المسلسل المصري «النهاية» شهية المشاهدين لاستشراف المستقبل، وبدا متماشيا مع المخاوف التي تنتاب شريحة كبيرة من الناس عقب جائحة كورونا المفاجئة، طارقًا بجرأة أبواب العديد من القضايا الجذابة والمثيرة للجدل.

أعاد المسلسل المصري “النهاية”، الذي يقوم ببطولته يوسف الشريف، التذكير باتجاه فني تحافظ عليه الدراما المصرية باستمرار، يفيد مضمونه بأن إسرائيل لا تزال هي الخصم المستمر لها، وأن أجيالا من الكتاب والفنانين بقوا على العهد من خلال توصيل رسالة تؤكد رفض التطبيع السياسي.

وبعد أن بدأ عرض “النهاية” مع بداية رمضان، كشفت إسرائيل عن غضب تعدّى الهجوم المعتاد من وسائل الإعلام العبرية، ووصل إلى تدخل وزارة الخارجية بالاحتجاج رسميا، الأحد، على ما تضمنه من مشاهد، اعتبرتها مؤسفة وغير مقبولة على الإطلاق بين دولتين تربطهما اتفاقية سلام منذ أربعة عقود.

تبدو قضية التحرش بإسرائيل فنيّا عملية متكرّرة في السينما والدراما المصريتيْن، لكن “النهاية” كان الأكثر إثارة وجرأة لأنه تعرض لقضية أساسية يرفض الإسرائيليون الاقتراب منها تتعلّق بقضية وجود دولتهم، بعدما تنبأ العمل بزوالها بعد مئة عام، ورجوع القدس عاصمةً لفلسطين.

ويحمل العمل الذي كتبه عمرو سمير عاطف، عن مستقبل العالم بعد قرن كامل، سفينة كبيرة من التوقعات التي تدغدغ مشاعر الملايين من العرب، مثل تفكّك الولايات المتحدة إلى دويلات صغيرة مكرّرة نفس مصير الاتحاد السوفييتي، وانهيار إسرائيل بالتبعية بعد زوال الداعم الأكبر لها، وتحوّل الدول العربية إلى مركز الكون في التكنولوجيا والقوة والنفوذ.

حماة الأسوار

مسلسل يثير حفيظة إسرائيل
مسلسل يثير حفيظة إسرائيل

احتجت وزارة الخارجية الإسرائيلية على مشهد ظهر فيه أطفال يتلقون درسا تاريخيا في فصل مدرسي تحت عنوان “الحرب لتحرير القدس” وشرح فيه المعلم تفاصيل المعركة التي انتهت بسرعة وأدت إلى تدمير إسرائيل، بعد أقل من 100 عام على تأسيسها، وإثر ذلك عاد معظم اليهود إلى بلدانهم الأصلية في أوروبا.

وجاء المسلسل بعد عدة أشهر من عرض فيلم “الممر” لأحمد عز، الذي أثار استهجان الكثير من الصحف الإسرائيلية بعدما تعرّض للفترة التي تلت هزيمة يونيو 1967 وحتى حرب أكتوبر 1973، وقال كتاب إسرائيليون إن الفيلم يخاطب الوعي الجماعي، ويؤكّد أن خطّ الدفاع الذي وضعه المثقفون والفنانون والصحافيون بمصر لا يعترف بالتغيرات السياسية.

وتبدو المعركة التي أثارها المسلسل في خصوبة فكرته كتجربة استشرافية لمستقبل مسلسلات الخيال العلمي العربية التي تجمع بين السياسة والتاريخ والمستقبل في حزمة واحدة، ما يغري فئة كبيرة من الجمهور العربي بمشاهدة مضمون جديد وربما يكون تشجيعا لنوعيات مشابهة من الأعمال التي تحافظ على نظرية “حماة الأسوار” التي أسّسها بعض الكتاب المصريين منذ اتفاقية السلام، ويتحرّكون عبرها في مساحات سياسية مقبولة للدفاع عن القضية الفلسطينية.

تظهر تلك الفكرة باستمرار مع أي عمل درامي يتعرّض لإسرائيل، فمحرّرة صحيفة “يديعوت أحرونوت” الأبرز سيمدار بيري التي سبق لها أن أجرت حوارا مع الرئيس المصري الراحل حسني مبارك، هاجمت مسلسل “ناجي عطاالله” لعادل إمام قبل ثمانية أعوام، من منطلق أنه يبث روح الكراهية، ويتناول قضايا قومية باستخفاف، حيث حكى العمل قصة مجموعة مصرية سطت على أهم بنك في تل أبيب بسهولة.

وتلغي هذه الخطوة فكرة إسرائيل الخارقة، وتتعمّد الأعمال الجديدة الإشارة إلى هشاشتها من الداخل، وعدم استبعاد هزيمتها، وكل ما يقدّم في شكل دراما يحرص على ترسيخ صورة ذهنية سلبية، ودون التطرّق إلى أي مزايا اقتصادية أو قوة عسكرية لها.

وقال محمد شعبان، الخبير الإعلامي، إن الاعتراضات الإسرائيلية تتكرّر مع أي عمل درامي يقترب من القضية الفلسطينية، بتهمة سريعة لا تخرج عن إثارة توسيع دائرة التطرف والكراهية والإخلال بالسلام الذي لا ينصّ على وضع محاذير حول الأعمال الفنية.

وأضاف، لـ”العرب”، أن مسلسل “النهاية” سيواجه هجوما أكبر ومطالبات بمنع مشاهدته داخل إسرائيل مع مضي حلقاته قدما لارتباطه بالهواجس المتعلقة بالشكوك في بقاء دولة الإسرائيليين، والتي كانت حاضرة بقوة في كتابات أدبائهم ومثقّفيهم. وبالتالي داس العمل على جرح غائر لمجتمع يعيش حالة قلق وخوف وشعور بأنه مهدّد، حتى لو جاء التهديد ضمن سياق عمل فني خيالي.

ويتواكب العمل مع جدل ثقافي داخل إسرائيل ذاتها حول البقاء، وكان سؤال هل ستبقى تل أبيب موجودة بعد 90 عاما؟ محور ندوة ثقافية قبل سنوات تناولت التغيرات الديموغرافية التي تشهدها خارطتها السكانية، والمخاوف من تخلّي واشنطن بإرادتها أو جبريا عن زعامة العالم الذي بات قريبا من التحقّق كأحد تداعيات فايروس كورونا وإعادة هندسة خارطة العالم.

معارك درامية

"النهاية" يبشّر بمستقبل واعد لمسلسلات الخيال العلمي العربية التي تجمع بين السياسة والتاريخ والمستقبل
"النهاية" يبشّر بمستقبل واعد لمسلسلات الخيال العلمي العربية التي تجمع بين السياسة والتاريخ والمستقبل

اتسم تعامل الدراما المصرية مع إسرائيل بموجات من الصعود والهبوط؛ ففي مطلع الستينات من القرن الماضي ظل تناولها في قالب كوميدي ساخر مرتبطا بضرورة التهوين من قدراتها. وتغيّر الأمر بعد هزيمة 1967 لتدور الأعمال في قالب حربي، ثم تغيّر الأمر إلى الأعمال المخابراتية والجاسوسية مع المزيد من العمق في الشخصية الإسرائيلية  مثل “رأفت الهجان” و”دموع في عيون وقحة”.

وبقي تعامل الدراما المصرية مع إسرائيل لسنوات طويلة يحمل قدرا من السذاجة وغياب التدقيق في نمط الحياة داخلها والأدبيات والأفكار اليهودية، فكان تأثيرها في الغالب محليا قبل أن تأتي موجة من الأعمال أكثر عمقا أثارت امتعاضا إسرائيليّا، وتخلّى فيها كتاب الدراما عن كلمة “صهيونية” وكانوا أكثر مباشرة في الإشارة إلى العدو الإسرائيلي. ويكشف تاريخ الأعمال الدرامية أن الكثير منها اشتمل على مضامين سياسية، من ذلك مثلا الأفلام التي اعتمدت التلميح دون التصريح، مثل “شمشون ولبلب” للفنان الراحل محمود شكوكو، الذي يلمّح إلى قدرة الضعفاء على نيل حقوقهم، وتم سحبه من دور العرض في عهد الملك فاروق وعرضه مجدّدا باسم “عنتر ولبلب”، استجابة لضغوط بريطانية وقف خلفها أحد الحاخامات الذين رفضوا السخرية من شخصية “شمشون” المهمة في التاريخ اليهودي.

وتكرّر الأمر ذاته مع مسلسل “فارس بلا جواد” للفنان محمد صبحي منذ حوالي عقدين، وحاولت إسرائيل منع عرضه بشتى الطرق، وطلبت من السلطات المصرية حذف نحو 150 مشهدا حرصا على المصالح العليا للبلدين، وتمّ التفاهم على حذف 40 مشهدا فقط في نسخ الإعادة.

العمل تنبأ بزوال إسرائيل بعد مئة عام، وبرجوع القدس عاصمةً لفلسطين، الأمر الذي أغضب وزارة الخارجية الإسرائيلية

وأكّد محمد شعبان لـ”العرب”، أن الغضب الإسرائيلي ربما سببه تغيّر في نمط الرقابة على الأعمال الفنية بمصر حاليا التي أصبحت استباقية وليست لاحقة، ما يعني أن “النهاية” تمّت إجازته رسميا قبل العرض، ويظهر أيضا عدم مراوحة الموقف الفني المصري الذي يعتبر إسرائيل لا تزال عدوا، حتى لو جاء مضمون العمل الفني في قالب قضايا بعيدة عنها.

وتحدّث الجزء الثالث من مسلسل “كلبش” للفنان أمير كرارة، والذي عُرض في رمضان الماضي، عن إسرائيل كخطر يهدّد الأمن المصري، ضمن الحديث عن مكافحة الإرهاب في سيناء. وتمثل المعارك الدرامية رسائل مستترة يسعى من خلالها مثقفون مصريون إلى الـتأكيد على وقوفهم كحائط صدّ ضدّ التطبيع الثقافي، مهما كانت درجة قربهم أو بعدهم عن السلطة، وهو ما ظهر جليا في الهجوم العنيف الذي صادف زيارة ديفيد غوفرين السفير الإسرائيلي بالقاهرة لمعرض الكتاب قبل عام، رغم أن حضوره جاء بصورة شخصية وليست رسمية.

وتتقاطع تلك الرؤية مع توجّه رسمي يعتبر أن الجنود المصريين القابعين على الحدود في سيناء عليهم أن يكونوا يقظين باستمرار، فمعاهدة السلام ليست بوليصة تأمين تحمي صاحبها من جميع المخاطر، وظهر ذلك جليا في الإشادات الحكومية الشديدة بفيلم “الممر” في مؤتمرات الشباب الرسمية، والظهور المستمر لأبطاله في وسائل الإعلام للحديث عن حرب الاستنزاف كما لو كانوا مؤرّخين، والسماح لهم بزيارة المدارس لنشر المشاعر الوطنية.

16