"النهضة" التونسية.. التكفير والخداع وإفساد اللغة

السبت 2014/01/25

الحركات والمنظّمات والأحزاب القائمة على الاستبداد والعنف لا تفسد فقط الشعوب، وتسمّم حياة الأفراد والمجتمعات فيها، بل تشوّه اللغة لتقول الكلمات ما يتناقض مع معانيها ومدلولاتها، وهذا ما حدث مع النازية على سبيل المثال لا الحصر.

لذلك شرع المثقفون والمفكرون الألمان حال انهيارها في “تطهير” لغة غوتة وشيللر وهولدلرين ونيتشة من الشوائب التي علقت بها، عندما كان هتلر قائدا مطلقا للرايخ الثالث وغوبلز وزيرا للدعاية يحرق الكتب، ويطلق حملات قمع مسعورة ضدّ من كانت تلصق بهم تهمة “التفسّخ والانحلال” في مجال الفن والأدب والفكر.

وقد أبرز التّاريخ المعاصر تحديدا أن الأنظمة الشموليّة بمختلف أشكالها هي أكبر مهدّد للفكر وللغة، إذ أن عمل هذه الأنظمة لا يقتصر فقط على منع خصومها من حرية التعبير بل تجبرهم على الصمت، أو تملي عليهم ما تريد نشره وتمريره من أفكار وآراء وأطروحات حتى ولو كانت مضادة لمصالحهم العامة والخاصّة.

وهي تلجأ إلى كلّ وسائل الرّدع والترهيب لكي تعزل المجتمعات التي تحكمها عن العالم الخارجي، بهدف زرع الأوهام والأكاذيب التي تساعدها على البقاء في السلطة لأمد طويل. وعندنا في تونس، يحدث راهنا تشويه وإفساد للغة، وترهيب للفكر والمفكرين. فـ”النهضة” مثلا لا تعني النهوض بالمجتمع بما يحقق له المزيد من الرقيّ والتقدم والتمدن، بل تفيد عند جماعة حركة “النهضة” الارتداد بالمجتمع إلى الوراء ليصبح الماضي مثالا للحاضر والمستقبل، ولتكون مظاهر الجهل والتخلف والانحطاط سمات المجتمع.

و”النهضة” لدى جماعة حركة النهضة تعني أيضا العمل على تجريد الشعب من قدراته على بناء الدولة الحديثة التي يطمح إليها، والقادرة على أن توفر له الحرية والتقدم والعيش الكريم، ليتحول إلى مجرد قطيع مطيع وذليل. فالمجتمع الذي تسعى حركة النهضة إلى بعثه للوجود، مجتمع مصطنع فيه تعشش الأوهام والأكاذيب، وفيه” يضمحلّ الفرد، ويكفّ عن توهّم أنه إنسان حرّ” بحسب تعبير الكاتب البريطاني الكبير جورج أورويل.

و”الثورة” تصبح عند جماعة النهضة مبرّرا للفوضى والعنف، وتدمير كلّ مظاهر التمدّن وترييف المدن، وحثّ العامة والدهماء على التخريب، وترهيب المواطنين وترويعهم: وباسم الثورة يزيّف التاريخ وتطمس الحقائق ويبسط على الواقع غطاء أسود يمنع من كشف خفاياه وتضاريسه. وهذا ما يعكسه عداء حركة النهضة للزعيم الحبيب بورقيبة على سبيل المثال لا الحصر. فمنذ وصولها إلى السلطة وهي تناور وتمارس مختلف أنواع الخداع والتزوير، بهدف تقزيم دوره في التاريخ التونسي المعاصر، وتشويه الإنجازات الهامة التي تحققت لتونس وللتونسيين في فترة حكمه.

و”الحق في الكرامة” هو في الحقيقة وسيلة للاستيلاء على المال العام، ونهب ثروات البلاد، وتبييض ماض موسوم بالجريمة والعنف، وتبرئة من كانوا ضالعين ذات يوم في التآمر على الدولة وعلى مؤسساتها.

و”الحرية” هي التسيّب، وتشريع قوانين الغاب. واعتمادا على أنهم كانوا من ضحايا النظام السابق، تصبح الحريّة مبرّرا لقادة النهضة وأنصارها بأن يفعلوا ما يشاؤون وما يريدون دون حساب ولا عقاب.

ومن أفظع الجرائم التي ترتكب تجاه اللغة هو أن تجبر على تبرير الكذب والنفاق والخداع، وعلى تلميع صورة واقع بائس ومزر. وقد عوّدتنا جماعة النهضة خلال السنوات الثلاث الماضية على أن تقول ما لا تفعل، وأن تستعمل اللغة لكي تقول ما يتناقض مع واقع الحال. والأمثلة على ذلك كثيرة. غير أن واحدا منها يكفينا. ففي بداية تسلم النهضة للسلطة، وعد راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة، التونسييّن بأن بلادهم ستكون في ظرف زمني قصير “مثل سويسرا بل أفضل منها”. غير أن الواقع سرعان ما أثبت بطلان هذا الوعد الجميل. وها أن تونس تصبح في عهد النهضة من أكثر البلدان في العالم وساخة وتعفّنا. وفيها انعدم الاهتمام بأبسط قواعد البيئة، وانتشرت الأمراض والأوبئة بشكل لم يسبق له مثيل.

وأمّا الأمر الخطير الآخر في عهد النهضة فيتمثّل في مواجهة الفكر بسلاح التكفير. وفي كلّ مرّة ينطق فيها خصومهم بفكرة أو برأي يتناقض مع أطروحاتهم، ويزعزع أركان دوغمائيتهم الأصوليّة المتطرفة، يلجأ جماعة النهضة إلى تكفيرهم، وعليهم يشنّون حملات هوجاء في المنابر العامة وفي المساجد. وتحت تأثير مثل هذه الحملات، اغتيل المناضلان شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وأصبح البعض من المناضلين والمثقفين والصحافيين مهدّدين هم أيضا بالتصفية والاغتيال!

كاتب تونسي

8