"النهضة" التونسية والتنظيم العالمي للإخوان..علاقة الفرع بالأصل

تكرّرت في الأيام الأخيرة تأكيدات من قادة حركة “النهضة” في تونس على “مدنيّة” حزبهم و”استقلالية قراراته” عن تنظيم الإخوان العالمي، ممّا جعل بعض المراقبين يعتبرون الإصرار على “النفي” يحمل في طيّاته التنصل من “حقيقة” طالما أكّدتها القراءات والتعمّق في تفاصيل هذا الحزب الذي أدار ظهره لموروث إسلامي إصلاحي في البلاد واحتفى بمرجعيات عابرة للحدود.
الأربعاء 2016/04/13
وقائع كثيرة تؤكد صلات النهضة بالتنظيم

الاحتفاء بالمرجعيات العابرة للحدود يحيل إلى "الأبوة" المشرقية عموما والمصرية خصوصا، من طرف حزب حركة النهضة التونسية في بلاد تزخر بتاريخ طويل من فكر إسلامي تحديثي، رسّخه أقطاب تنويريون لهم إسهاماتهم في تأسيس مناهج فقهية وتشريعية، على رأسها مدرسة جامع الزيتونة التي تخرّج منها العلاّمة ابن خلدون، ثم تناسلت السلالات من بعده حتى وصلت أسماء شهيرة أمثال ابن عرفة والإمام سحنون، وصولا لآل بن عاشور وغيرهم، في ما بات يعرف بمدرسة الإصلاحيين التونسيين، والتي لم تكتف بتخريج رجال دين، بل مناضلين وزعماء الحركات الوطنية في بلاد المغرب الكبير كعبدالعزيز الثعالبي وابن باديس وحتى هواري بومدين، إضافة إلى مشرّعين مثل عبدالعزيز جعيط والطاهر الحداد.

هل هي تلك “العقدة التاريخية” في “نظرية المركز والأطراف” التي تتمحور حول فكرة تبعيّة أهل المغرب لريادة أهل المشرق، مهد الديانات ومحرّك الثورات وكل الأحداث التي غيّرت خرائط العالم القديم والحديث؟ هل مازالت عبارة “بضاعتنا وقد ردّت إلينا” التي قالها مشرقي يوما لمؤلف مغاربي في إشارة بأنّ كل ما يجتهد فيه أهل المغرب ليس إلاّ إعادة إنتاج لما كان قد أنجزه أهل المشرق؟

هل هو مجرّد إحساس بصغر المريد أمام شيخه وتواضع التلميذ في حضرة معلّمه أم أنّ في الأمر سرّا آخر يتجاوز هذه المقاربة المعرفيّة التي أثبت التاريخ أنها دخلت طيّ النسيان وتزحزحت المراكز والأطراف، خصوصا بعد الثورة التونسية التي فاجأت أنصار هذه النظرية التقليدية؟

عندما قررت مصر حل تنظيم الإخوان، شاهد التونسيون شعار "رابعة" يرتفع على مبنى حركة النهضة

يراهن بعض خصوم حركة النهضة على الانشقاقات الداخلية داخل هذا الجسم السياسي كلما سمعوا “قرقعة للأواني” داخل مطبخها التنظيمي أسوة بأحزاب أخرى لم تصمد وحدتها أكثر من بضعة أشهر، كما حصل مع حزب “نداء تونس”، غريمها “الفائز”، وليس “المنتصر”، في الانتخابات الأخيرة.

قال أحدهم معلّقا على هذه الرهانات “إن البيوت الكبيرة هي التي تسمع فيها ضجيجا كثيرا”، في إشارة إلى أن “سقف بيتهم التنظيمي من حديد و ركنه من حجر. من أين جاءت هذه “الثقة الزائدة” في متانة واستحالة تقويضها؟

إنها، وبلا شك، طبيعة البناء الهرمي لهذا التنظيم و”سرّانية” تسلسله من الرأس إلى القاعدة رغم انخراطهم في النشاط العلني وعقد مؤتمراتهم أمام الكاميرات، بل ووصولهم إلى حكم البلاد التي عانوا من سجونها أثناء سنوات الجمر.

عندما قرّرت السلطات المصرية حلّ تنظيم الإخوان ولاحقت قياداته، شاهد التونسيون شعار “رابعة” يرتفع عاليا وواضحا على مبنى مقر حركة النهضة في رسالة تؤكد تضامنها المطلق كدولة “تمكين”. هكذا يسمّي الإخوانيون في مصر والعالم تونس، أوّل مجيء النهضة إلى الحكم بعد ثورة 14 يناير.

لقد بات من الوهم الاعتقاد بأنّ حركة النهضة تعد كيانا منفصلا ومستقلاّ عن الجسم الإخواني في العالم العربي والإسلامي، بدليل نشاط مؤسسها وتنسيقه مع قادة الإخوان في الجزائر والمغرب حين كان في لندن، بالإضافة إلى مشاركتها الواسعة و”الفعّالة” في الملتقيات الدوليّة التي تسير على نهج حسن البنّا ووصاياه التي جعلوا منها “دستورا” لا يحيدون عنه كما وصف الباحث في الحركات الإسلامية عبدالستار العايدي في تصريحات تلفزيونية الارتباط التنظيمي بأنه “علاقة الفرع بالأصل”.

بات من الوهم الاعتقاد بأنّ حركة النهضة تعد كيانا منفصلا ومستقلاّ عن الجسم الإخواني في العالم العربي والإسلامي

اختلف كثيرون في طقوس البيعة وصيغتها حسب التراتبيّة، وقد أخذها حسن البنا بعد سقوط دولة الخلافة العثمانية في تركيا على يد أتاتورك سنة 1924 ووصفها بالعلاقة بين جسد الميت ومغسّله، لكنهم لم ينفوا وجودها ومنهم من يقول إنها في مصر تتلى على المصحف والمسدّس، وفي ما يلي نصها حسب ما جاء في تصريح العضو السابق لمكتب الإرشاد العالمي لفرع الأردن بسام العموش “أبايعك بعهد الله وميثاقه على أن أكون جنديا مخلصا في جماعة الإخوان المسلمين، وعلى أن أسمع وأطيع في العسر واليسر والمنشط والمكره إلا في معصية الله، وعلى أثره عليّ، وعلى ألا أنازع الأمر أهله، وعلى أن أبذل جهدي ومالي ودمي في سبيل الله ما استطعت إلى ذلك سبيلا. والله على ما أقول وكيل، فمَن نكث فإنما ينكُث على نفسه ومَن أوفى بما عاهد عليه اللهَ فسيؤتيه أجراً عظيماً”.

يظهر ممّا تقدّم بأنّ المرجعيّة النظرية التي يعتمدها إسلاميو تونس لا تدور في فلك تبجيل المشرق و”التنكّر” للبيئة الإصلاحية في تونس الزيتونية انطلاقا من عقدة الانبهار والإقرار بالريادة المشرقية، وإنما تتجاوزها إلى ارتباطات عضوية تنظيميّة تخص “الجماعة” ومهما كان مصدرها “الزمكاني”، بدليل أنهم يعقدون اجتماعاتهم في بلاد وأقاليم خارج فضاء “مشرق مغرب” التقليديين كباكستان وتركيا وأذريبدجان وغيرها.

إذا أردنا البحث عن مفهوم “الوطن” في الفكر الإخواني فلن نجده في المفاهيم المتعارف عليها لدى بقية الأحزاب، وإنما في الولاء لمنظومة معتقدات وقيم أقسم عليها المنتسبون أمام المرشد الأعلى فتسقط بالتالي كل التأويلات المعرفيّة والسياسية التقليدية، فكيف تقيّم طرفا لا يحتكم إلى نفس مقاييسك ولا يعنيه أي موروث إصلاحي أو سياسي يتعارض مع الفكرة التي “وهب لها حياته”.

يعتقد العديد من المحللين أنّ القبول باللعبة الديمقراطية والانخراط في الحياة السياسية هما وسيلة وليسا غاية، بل منهم من يراهما “أسلوب تمكين” وفق المنطلقات النظرية التي بنيت عليها الجماعة، حتى وإن كانت غير معلنة ويكتفون بتداولها في الحلقات الضيقة من هذا التنظيم الهرمي المحكم في التكتّم رغم واجهاته الإعلامية وحرصه على اختيار وجوه تظهر الليونة والانفتاح.

13