"النهضة" التونسية وتسليم السلطة.. أي مناورة

السبت 2013/12/21

بدأ جمهور السياسة في تونس يُعدّ قائمة الفائزين والخاسرين بعد اختيار قسري لرئيس وزراء جديد لا أحد يعرف هويته.

ولئن اعتبرت المعارضة المرتبكة والضعيفة أن النهضة حققت عليها نصرا باختيار المهدي جمعة كرئيس حكومة مؤقت لفترة زمنية قد لا تتجاوز العام، فإن النصر الحقيقي للحركة الإخوانية أكبر من معركة كسر العظم العابرة باختيار شخص لملء فراغ ظرفي. وسنفترض صدق ما قيل من أن الرجل كان ينتمي في صغره إلى الاتجاه الإسلامي، وهو الذراع الطلابية للحركة، فإن النهضة ستحرص على أن تساعده بجدية لتحقيق مطالب المعارضة خاصة ما يهم إلغاء كل التعيينات التي أقرتها حكومتا حمادي الجبالي وعلي لعريض، وستدفع باتجاه تشكيل هيئة انتخابات مستقلة، وليس مهما لديها أن تكون الفائز في الانتخابات القادمة.

المتابع لتصريحات قيادات الصف الثاني من “النهضة” يسمع اعترافات كثيرة بأن الحركة لم تكن مؤهلة للحكم، وأنها تحتاج إلى وقت طويل لتحكم بمفردها، وأن المطلوب الآن هو الانسحاب الهادئ من الحكم لإعادة التجهّز لحكم جديد تكون البلاد فيه متهيئة لحكم الإسلاميين.

ومن المهم الإشارة هنا إلى أن قرار «حكم تونس» لم يكن، الأرجح، قرارا ذاتيا من “النهضة” بل إملاء من “التنظيم الدولي” الذي كان يمنّي النفس بقطف ثمرة ثورات “الربيع العربي” وأعطى تعليماته للانقضاض على “ربيع» مصر وتونس ثم لاحقا ليبيا وسوريا واليمن.

وحين فشل “الربيع الإخواني” بسقوط حكم الجماعة في مصر، لاشك أن جماعة تونس تعيد النظر بجدية في سبل الخروج السريع والآمن من مصير مشابه لمصير إخوان مصر، ولذلك حرصت بكل ما أوتيت على أن تطيل الحوار الوطني إلى اللحظة التي تتعب فيها المعارضة وتلغي من حسابها فكرة طرد “النهضة” من السلطة ومحاسبتها على شاكلة ما جرى في مصر.

واستفادت الحركة هنا من غياب التجربة السياسية للجيش وضعف تأثيره في الشأن العام، فضلا عن الأزمة الهيكلية للمؤسسة الأمنية، وانعدام وزن المعارضة التي تمتلك خطابا نقيضا للتنظيم الإسلامي خاصة اليسارية التي ما تزال غارقة في الشعارات والصراعات الشخصية.

وباعتقادنا فإن “النصر” المهم للنهضة هو أنها فوتت على خصومها فرصة التخلص منها مثلما تخلص منها بن علي بعد انتخابات 1989 التي دخلتها بعقلية الاكتساح والهيمنة وخطاب التكفير ومهاجمة النموذج المجتمعي، فانتهى الأمر بقياداتها إلى السجون أو المنافي، لكنها كررت التجربة وبذات الخطاب والأماني.

ولابد من الإشارة، أيضا، إلى أن غياب الأفق لدى جانب كبير من المعارضة جعل “النهضة” تسوق نفسها غربيا كحركة مدنية حريصة على الديمقراطية، وخاصة كحركة صديقة للمؤسسات المالية الدولية من جانب أنها لا تفتي بتحريم القروض، وكذلك من جانب التزامها بالإصلاحات الهيكلية المطلوبة والتي تقوم على تقليص الدعم للمواد التموينية والبترولية، والاستمرار في التفويت بالمؤسسات العامة للقطاع الخاص.

ما يعني هنا أنها حركة براغماتية تبحث عن السلطة أولا وثانيا، وأنها تضرب عرض الحائط بالشعارات القديمة والتي ما يزال بعض منتسبيها يرفعونها على مواقع التواصل الاجتماعي من باب التنفيس عن النفس ليس أكثر، مثل ما يتعلق بـ”تطبيق الشريعة” أو معاداة “قوى الاستكبار”. لكن من المهم البحث في حقيقة هذا التسليم بالحقائق والتوازنات، هل هو ظرفي تكتيكي أم استراتيجي؟

لا أحد يستطيع أن يقدم إجابة قاطعة، لكن تجارب الحركات الإسلامية، تؤكد أنها تتقن المناورة والانحناء حتى مرور العاصفة.

واعتقادنا راسخ أن “النهضة” التي فشلت في الحكم وأقرت بأنها غير قادرة على إدارة اللعبة في ظل قوة “الدولة العميقة” تفكر الآن في الابتعاد عن السلطة والعودة إلى العمل الخفي الذي لا يضعها في المواجهة ويحقق لها مهمة “التمكين” البطيء وليس المتسرع.

سيكون الهدف القادم هو الانتشار الأفقي باتجاه المؤسسات، بدءا بالمساجد التي تركتها في فترة الحكم للمجموعات السلفية، وستعمل بكل ما في وسعها لاستعادتها مستفيدة من القانون الجديد للمساجد الذي يحول مؤسسات العبادة والذكر إلى دولة داخل الدولة، ويعطيها الحق في التوجيه السياسي والقانوني، والتدخل في حياة الناس من خلال “مطاوعة” الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

يشار هنا إلى أن الحركة فقدت بريقها الديني لفائدة المجموعات السلفية خاصة بعد أن أعلنت أنها لا تفكر في المطالبة بتطبيق الشريعة، ما يرجح أن تطلق يدها لجناحها الدعوي ليتولى استقطاب الشباب وتأهيلهم وفق أدبيات إخوان الشرق وخاصة أدبيات الإخوان المصريين والسوريين.

والمخاطر في هذا التوجه أنه سيغذي نزعات التشدد والانغلاق لدى الشباب التونسي في ظل أوضاع البطالة والفقر، ما يعقد المعركة ضد الإرهاب في البلاد. والاتجاه الدعوي سيكون مسنودا بحملة استقطاب كبرى ذات بعد اجتماعي من خلال الإعانات والقروض الميسرة، واستغلال الوضع الاجتماعي للفئات الفقيرة.

ولاشك أن تجارب الإخوان في تكوين الشركات وإدارتها وإغراق البلاد بالأموال ليس أمرا خافيا، وهو ما يسهل خطة الانسحاب لإعادة تجهيز الذات لتمكين أقوى. فهل تعي المعارضة عمق اللعبة، أم إن تأثيرها سطحي لا يتجاوز حد التصريحات والمظاهرات الصغيرة بغية تسجيل الحضور.


كاتب وصحفي تونسي

9