النهضة "الصادقة" وتحلل المساحيق

استرجعت النهضة وجهها الحقيقي، وكان الغنوشي صادقا جدا، في التعبير عن حركته وعاد إلى المرابطة في مواقعه الأيديولوجية القديمة. وكل ذلك يروج وفق شعار "تونس غدوة خير".
الخميس 2018/05/03
مناورة جديدة

تسارع نسق الاستعدادات التونسية للحدث الانتخابي المحلي بعد الثورة، بقدر ما فرض على الفاعلين السياسيين والمدنيين التسريع في نسق جهودهم وخطاباتهم وتحركاتهم، فإنه كان، أيضا، كاشفا لمواقف سياسية ترى الحدث التونسي القادم غنيمة حان قطافها.

الانتخابات البلدية المزمع تنظيمها في السادس من مايو الجاري، نُظرَ لها، كما نُظّرَ لها، على أنها لبنة في تأسيس السياسة التشاركية و”ديمقراطية القرب”، لكنّ أطرافا سياسية كثيرة أبانت عن نزوع نحو تكريس هيمنتها على اللحظة السياسية الراهنة وتاليا على المشهد في البلاد. طبيعي أن يراهن حزب سياسي على الحصول على أغلبية المقاعد في أغلب الدوائر البلدية، لكن الوعود المطروحة أمام الناخبين يجبُ أن تكون في حجم الحدث، وفي مستوى ما يعنيه من صلاحيات أوكلت للمجالس البلدية المنتخبة بمقتضى القانون والدستور.

الشيخ راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة، الذي تحوّل اسمه في مختلف المواقع النهضوية من الشيخ إلى الأستاذ، صرّح خلال اجتماع انتخابي شعبي انتظم، الثلاثاء الماضي، في مدينة مساكن التابعة لمحافظة سوسة، بأن حزبه يعدُ ناخبيه بتوفير الإنترنت المجاني عالي التدفق، في البلديات التي ستفوز فيها حركة النهضة. وأضاف أن “الوايفاي ستتوفر مجانا في الحدائق العامة والمساجد والمدارس والجامعات…” مستدلا على ذلك بأن وزير تكنولوجيات الاتصال هو وزير نهضوي، وهو خلط آخر، لا يقلّ خطورة، بين الوزير في الحكومة والوزير من النهضة.

يذهب هذا الكلام مذهبا أبعد من مجرد الكلام الانتخابي المتفرّع وعودا وشعارات وخطبا وحملات، بل يمكن اعتباره اختزالا لنوعية الخطاب السياسي للحركة، ولزعيمها، من ناحية نظرة الحزب إلى ناخبيه، ومن ناحية النظر إلى المواطنين بتقسيمهم إلى أنصار وناخبين محتملين، أو خصوم يحتملُ أن تذهب أصواتهم إلى “الآخرين”، وهو أيضا تكثيف لتصور الحزب للعلاقة بين الحزب والدولة، طالما أن الدولة هي المخوّلة والمؤهلة لتوفير مثل هذه الخدمات (الإنترنت) لمواطنيها ولو كان ذلك عبر مزوّدين خواص. وعدُ الغنوشي، غير القابل للتحقق قانونيا ودستوريا، هو تحايل على الأنصار وعلى غير الأنصار. تحايل سياسي يضمر “جزرة الإنترنت” لمن سيصوّت للنهضة، و”عصا الحرمان من الإنترنت” للبلديات التي ستذهب (بحكم الديمقراطية) إلى قائمة أخرى. التحايل السياسي والعقوبة تبلغ مداها هنا بأن تطال حتى من صوّتوا للنهضة في البلدية التي ستفوز فيها قائمة أخرى. سيحرم ذلك الصوت النهضوي من المكافأة السياسية الموعودة.

الخروج المكثّف للغنوشي في اللقاءات المباشرة وفي وسائل الإعلام أدّى إلى تراكم التصريحات المثيرة للاستغراب، حيث سبق التصريح الأخير حول الإنترنت، آخر قال فيه إن “المتمسكين بالإسلام سينتخبون حركة النهضة”. تصريح أثار جدلا كبيرا وتساؤلات عميقة حول حدود العلاقة (لدى النهضة وفي ذهن زعيمها) بين الإيمان الشخصي والممارسة السياسية، ووجاهة تقسيم الناس إلى متمسكين بالإسلام أو غير متمسكين به.

على أن كل هذه التصريحات لا تعني بالمرة سقطات اتصالية لزعيم حركة النهضة، ولا تعني أيضا أنها مقصودة أو تمثّل مفصلا في البرنامج السياسي والانتخابي، بل هي تعبير صريح وصادق عن نظرة الحركة وزعيمها إلى البلاد والعملية السياسية برمّتها.

تقسيم التونسيين (الناخبين) إلى متمسكين بالإسلام وغيرهم، ووعد البلديات التي تنتخب النهضة بمكافأة “معاصرة”، والتهليل بأن الوزير الذي يباشر ويقود عملية التحديث التكنولوجي في تونس هو وزير نهضوي، فضلا عن ربطه يوم تدشين الحملات الانتخابية بين انطلاق الحملة الانتخابية في تونس والضربات التي وجهت لسوريا، هي كلها تعابير سخية في الكشف عن الوجه الحقيقي للنهضة. وجه لم تصمد عليه كل المساحيق التي وضعت منذ سنوات. مساحيق المدنية والحداثة تحللت وذابت بمفعول حرارة الأحداث والاستحقاقات السياسية.

استرجعت النهضة وجهها الحقيقي، وكان الغنوشي صادقا جدا، في التعبير عن حركته وعاد إلى المرابطة في مواقعه الأيديولوجية القديمة. كل ذلك يروّج وفق شعار “تونس غدوة خير” (تونس ستكون غدا أفضل).

9