النهضة بعد الغنوشي.. حزب منبوذ وخلية نائمة تابعة للسلفيين

الأربعاء 2013/12/04
الإسلاميون في تونس فشلوا في تحقيق ما وعدوا به خلال الحملات الانتخابية

تونس ـ التسريبات القادمة من داخل حركة النهضة تقول إن الحركة الإسلامية تشهد صراعا داخليا، سيؤدي، في مرحلة ما بعد راشد الغنوشي، إلى انضمام صقور النهضة علنا إلى الجماعات السلفية ليشكلوا "جماعة سلفية واحدة".

سمحت الانتفاضة الشعبية، التي أسقطت يوم 14 يناير-كانون الثاني 2011 نظام زين العابدين بن علي وحزبه التجمّع الدستوري الديمقراطي، الذي يعدّ امتدادا لنظام صانع الدولة التونسية الحديثة، الحبيب بورقيبة، بصعود حركة النهضة الإسلامية، إلى حكم البلاد، بعد أن كانت محظورة لمدة ثلاثة عقود.

فشل الإسلاميون في تونس، مثلما فشل الإخوان في مصر، في تحقيق ما وعدوا به خلال الحملات الانتخابية، فزادت نسب البطالة، واضطرب الأمن، وباتت الجماعات الإرهابية تتربص بالبلاد، وارتفعت المديونية وانخفض تصنيف تونس في المؤشرات الاقتصادية العالمية، وارتفعت نسبة الفقر. وبسبب التناقضات الأيديولوجية والسياسية والحزبية بين قطبي العلمانية والحداثة والانفتاح من جهة والإسلاميين من جهة ثانية، تحولت الثورة من ثورة "كرامة" إلى حرب هويات وصراع وجود بين المعسكرين الحداثي العلماني والسلفي.

كل هذه الأسباب جعلت الإسلاميين، حركة النهضة وأنصارها، محل اتهامات وغضب شعبي كبير، تجسّد في عديد المظاهرات التي خرجت تطالب الحكومة بالرحيل.

انعكس الضغط الداخلي على حركة النهضة، التي بدا واضحا تأثّرها السلبي بما يجري في البلاد، فعلى الرغم من النفوذ القوي الذي يتمتع به راشد الغنوشي سواء داخل الحركة أو في المشهد السياسي العام للبلاد فإن الأوساط السياسية باتت تتحدث عن مستقبل النهضة ما بعد رئيسها، في وقت طفت فيه الخلافات على السطح بين صقور الحركة وحمائمها التي تتعرض إلى تهميش ممنهج إلى حد الاستضعاف ما أدى إلى استبعادها عن مراكز القرار.

ويتداول الفاعلون السياسيون أن حركة النهضة التي كثيرا ما افتخرت بتماسكها التنظيمي في أحلك الفترات والأزمات تشرف اليوم على حالة من التفكك الداخلي تغذّيها خلافات جدية بين تيار سلفي متشدد وتيار براغماتي معتدل، فيما بدا نفوذ الغنوشي يهتز نتيجة محاولته مسك العصا من الوسط في ظل تزايد ضغوطات سياسية تمارسها المعارضة على الحركة وتطالبها باتخاذ مواقف واضحة من القضايا الوطنية لإنهاء الأزمة التي تعصف بالبلاد منذ أكثر من أربعة أشهر. وإذا كان "اهتزاز صورة " الغنوشي لدى أحزاب المعارضة بدا أمرا مألوفا، خاصة خلال الأشهر الأخيرة، تحت تأثير الأزمة وما رافقتها من اعتصامات وحركات احتجاجية مناهضة لحركة النهضة فإن "اهتزاز نفوذه" داخل الحركة بدا على ما يبدو مؤشرا على أن الحركة تعيش "نوعا من التصدع" الداخلي، الأمر الذي فتح المجال أمام السياسيين للتحدث عن النهضة ما بعد الغنوشي.


حركة معتدلة


مند تأسيسه للحركة عام 1981 معية عدد من الإسلاميين أبرزهم عبد الفتاح مورو نجح الغنوشي في الاستئثار برئاسة النهضة ولم تمنعه سنوات المنفى العشرين التي قضاها بلندن من قيادتها ومسك كل الخيوط التنظيمية حتى أنه كان يوجه القيادات التي تدين له بالولاء داخل تونس وخارجها. وخلال أكثر من ثلاثين سنة نحت لنفسه صورة "الشيخ" الذي يتمتع بنفوذ روحي وبدهاء سياسي يبدو أنه اكتسبه خلال احتكاكه بالجماعات الإسلامية التي تتخذ من لندن مقرا لها، ولكن اكتسبه أيضا جراء علاقات واسعة مع رجال سياسة وبلدان وفي مقدمتها دولة قطر راعية الجماعات الإسلامية.

يبدو أن نفوذ رئيس حركة النهضة الروحي والسياسي بدأ يتمزق بعد أن قادته تجربة الحكم إلى مواجهة قوية من معارضة علمانية

كان الغنوشي يطمئن التونسيين خلال معارضته لنظام الرئيس زين العابدين بن علي بأن النهضة "حركة معتدلة تؤمن بالديمقراطية" ويكرر عبر الفضائيات بأن تونس "تتسع للإسلاميين والعلمانيين والشيوعيين".

ولم تكن المعارضة العلمانية تثق في خطابه وترى فيه "ترويجا سياسيا لا يخلو من الدمغجة" لواحدة من الحركات الإسلامية المعروفة بازدواجية خطابها وقدرتها على استثمار المعطيات السياسية من أجل الوصول إلى الحكم. وبالفعل لم تدم "رسائل الطمأنة" طويلا، إذ منذ وصول النهضة إلى الحكم في انتخابات 23 تشرين الأول 2011 تغير خطاب الغنوشي ليكشف عن خلفيته الدينية السلفية، حتى أنه مد يده للسلفيين واعتبرهم "أبناء" يذكرونه بشبابه.

ومقابل "أدائه السلفي" حاول الغنوشي "انتهاج خطاب سياسي براغماتي" سعى من خلاله إلى استمالة قطاعات واسعة من المجتمع المتوجس أصلا من مشروع النهضة وطمأنة المعارضة العلمانية، غير أن خطابه اصطدم بمعارضة قوية وارتد عليه وألب ضده قطاعات واسعة من التونسيين حتى أنه أسر إلى رفيق دربه عبد الفتاح مورو بأنه "بات يخشى الناس ويخافهم". ويبدو أن رئيس حركة النهضة الإخواني التفكير والمنهج لم يؤلب ضده المعارضة فقط، وإنما بات يثير حفيظة صقور النهضة وحمائمها على حد سواء ليجد نفسه يشق "طريقا مرا من العزلة" على الرغم من أن ذلك لم يبرز بعد إلى العلن.


النهضة بعد الشيخ


لكن التسريبات القادمة من داخل الحركة الإسلامية الحاكمة باتت لا تخشى الحديث عن "النهضة بعد الشيخ" في ظل "عجز" الغنوشي عن السيطرة على التناقضات والخلافات الحادة بين الصقور والحمائم بخصوص التعاطي مع الوضع العام في البلاد الذي قادته الحكومة إلى أزمة خانقة.

وعلى الرغم من التقليل الذي تبديه المعارضة من "جدية الخلاف بين الصقور والحمائم" باعتبار أن النهضة شأنها شأن جماعات الإسلام السياسي هي "وحدة لا تتجزأ" تنبني على منظومة دينية إخوانية، إلا أن الأخصائيين في الجماعات الإسلامية يؤكدون أن الحركة "تشقها خلافات جوهرية" طفت على السطح خلال الأشهر الأخيرة بين تيار سلفي وثان سياسي براغماتي.

حركة النهضة
ظهرت الحركة إلى العلن باسم الاتجاه الإسلامي، وشارك في تأسيسها جامعيون وحقوقيون منهم راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو. وتقدمت الحركة في 6 يونيو-حزيران 1981 بأول طلب للحصول على التأشيرة القانونية إلا أن حكومة الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة رفضت في الشهر التالي تسليمها التأشيرة.

بعد وصول بن علي إلى السلطة عام 1987، تسمت النهضة باسمها الحالي كي يخلو من أي إشارة إلى انتمائها الإسلامي، وتقدمت بطلب جديد للحصول على التأشيرة إلا أنه قوبل مجددا بالرفض.

استلهمت الحركة من فكر منظري الإخوان المسلمين في مصر وعلى رأسهم سيد قطب، بيد أن قادتها - خاصة راشد الغنوشي - أكدوا مرارا قبل وبعد الانتفاضة في تونس، التي أطاحت ببن علي، أن النهضة طورت منهجها وباتت قريبة جدا من منهج حزب العدالة والتنمية الإسلامي التركي.

ويقول الأخصائيون إن "انشقاق النهضة إلى تيارين إثنين قادم لا محالة "وإن "المسألة مسألة وقت ليس إلا" مؤكدين أن "الحركة ما بعد الغنوشي ستفقد تماسكها التنظيمي وتتشظى" كما تشظت عديد الحركات الإسلامية في البلدان العربية.

وبخلاف بعض التحاليل غير الدقيقة فإن حركة النهضة يشقها تيار سلفي قوي من خلال هيمنته على مجلس الشورى، أقوى سلطة في الحركة، تسانده الكوادر الوسطى والقواعد المنتشرة في الأحياء الشعبية وفي الجهات التي تنسق تنسيقا ميدانيا مع الجماعات السلفية بما فيها الجهادية ولا تتردد في مشاركتها المظاهرات التي تنظمها ضد الحكومة.

وخلال الأشهر الأخيرة مارس سلفيو النهضة ضغوطات كبيرة على كل من راشد الغنوشي وتيار الحمائم المهمش معتبرين أن الحوار الوطني مع المعارضة ما هو إلا "مؤامرة" ضد الشرعية الانتخابية للحركة وخيانة لها.

ومارست الكوادر الوسطى المتشددة ضغوطاتها من خلال مجلس الشورى صدرت عن عدد من قيادتها ذات النفوذ، مؤكدة أن خارطة الطريق تطالب بحكومة كفاءات غير متحزبة لإخراج البلاد من الأزمة لا تلزم الحركة لأنها "مؤامرة من العلمانيين لإسقاط الحكومة ومن ثمة إسقاط حكم النهضة".

وعلى الرغم من تشكيك المعارضة فإن محاولات راشد الغنوشي لإخراج حركة النهضة من عزلتها وتدهور شعبيتها تتعرض عمليا إلى "محاصرة" من قبل التيار السلفي لا بسبب عدم الثقة فيه، إذ يبقى رمز الحركة ومؤسسها الذي يتمتع بالكاريزما، وإنما لـ"مؤازرته" في مواجهة الضغوطات المضادة التي يتعرض لها من قبل المعارضة.

وقد دفعت ضغوطات سلفيي النهضة على رئيسهم بنائب رئيس الحركة إلى تحذير راشد الغنوشي من أن "نهايته ستكون على أيديهم" وأنهم "سيضحون به" و"أن نهايته على رأس الحركة لن تتأخر وذلك بعد أن وقعت محاصرته من المتشدّدين وسيتم الاستغناء عنه في المرحلة القادمة".

زمام النهضة بدأ ينفلت من قبضة الشيخ المرتعشة

ويتوقع الأخصائيون في الجماعات الإسلامية أنه ما بعد الغنوشي سينضم صقور النهضة علنا إلى الجماعات السلفية ليشكلوا "جماعة سلفية واحدة" تطالب بـ"دولة الخلافة" وبـ"تطبيق الشريعة" وتقطع أي حوار مع المعارضة التي تعتبرها "علمانية كافرة" و"معادية للإسلام والإسلاميين".


حمائم النهضة


يضيف الأخصائيون أن "الأرضية العقائدية" تمثل اليوم "مساحة مشتركة بين سلفيي النهضة والجماعات السلفية الأخرى" وأن التسامح الذي تبديه النهضة تجاه السلفيين بما فيهم أنصار الشريعة سيساعد كثيرا على بناء "جبهة سلفية" ستهدد بالتأكيد مكاسب التونسيين وتزج بالبلاد في متاهات العنف السياسي. غير أنهم يؤكدون أن حركة النهضة ما بعد الغنوشي سيشقها "تيار معتدل" هو أقرب منه إلى "البراغماتية السياسية إلى العقيدة السلفية" ليؤسس حزبا مدنيا وإن كان ذا مرجعية دينية.

ويلاحظون أن الجيل الجديد من الحركة الذي مارس خلال السنتين الماضيتين تسيير مؤسسات الدولة واحتك بالمعارضة يتذمر من "سطوة الصقور" المعزولين عن منطق الدولة وعن أبجديات التعايش مع المعارضة وهو جيل يمثل تيارا ناشئا ويحاول التخلص من "النزعة العقائدية" للتيار السلفي.

ويبدو أن هذا الجيل الذي بات يسمى في تونس بـ"حمائم النهضة" بدأ ينحت صورة مغايرة لحركة النهضة ويقدمها كـ"حركة سياسية ذات خلفية إسلامية" في محاولة لتمهيد بناء حزب سياسي مدني منفصل عن الحركة في سيناريو مشابه لجماعة الإخوان المسلمين في مصر. ويقود تيار الحمائم عدد من القيادات البارزة من أبرزهم نائب رئيس النهضة الشيخ عبد الفتاح مورو وأمينها العام حمادي الجبالي وهما قياديان تربطهما بالتيار السلفي علاقة فاترة إن لم تكن متوترة وكثيرا ما يتهمون بـ"خيانة الحركة".

ويدفع تيار الحمائم باتجاه "الفصل بين حركة النهضة كحركة إسلامية شأنها شأن الحركات العقائدية وبين الحركة كحزب سياسي مدني" يتعاطى مع معطيات الواقع التونسي وخصوصياته الاجتماعية وتعدديته السياسية.

ويقول مراقبون إن الضغوطات السياسية والشعبية التي تشهدها الحركة الحاكمة والتي أدت إلى تراجع أدائها وشعبيتها ستقود بالضرورة إلى "إنشاء حزب سياسي" يقوده الحمائم الذين باتوا على اقتناع بأن النهضة ما بعد الغنوشي في أمس الحاجة إلى إعادة بنائها الذاتي وتطوير آليات عملها في ظل التحولات التي يشهدها المجتمع التونسي وما يستدعيه من "تغليب الجانب البراغماتي على الخلفية العقائدية".

وبخلاف ما يتمسك به صقورها يرى حمائم النهضة ضرورة "الحفاظ على مكاسب التونسيين" التي حققتها دولة الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي عام 1956 وفي مقدمتها مؤسسات الدولة والمجتمع ومكاسب المرأة باعتبارها تحققت نتيجة نضال أجيال من المصلحين والمفكرين والفقهاء المستنيرين، مشددين على أن المساس بتلك المكاسب هو "نسف" للموروث الحضاري والسياسي الذي يعتبر مساحة مشتركة بين جميع التونسيين بقطع النظر عن انتماءاتهم الحزبية ومرجعياتهم الفكرية.

غير أن رئيس النهضة راشد الغنوشي يعادي هذا الرأي ولا يرى فيه سوى استمرار لسياسة الزعيم الحبيب بورقيبة وفكره، حيث يقول إنه عادى الإسلام وألقى بتونس في أحضان الغرب في وقت تجمع فيه الأحزاب السياسية بما فيها اليسار الراديكالي على أن دولة الاستقلال مكسب وطني وخط أحمر ليس من حق أي طرف التشكيك فيه أو المساس به.

وتعمقت عزلة راشد الغنوشي بعد أن قررت الحكومة مواجهة جماعة أنصار الشريعة، التنظيم الذي صنفته كتنظيم إرهابي بعد أن نسبت إليه اغتيال كل المناضلين العلمانيين شكري بلعيد ومحمد البراهمي وعدد من الهجمات على الجيش التونسي.

ويبدو أن الرجل الذي أسس حركة النهضة وقادها طيلة أكثر من ثلاث عشريات يعد اليوم أول الخاسرين من تجربة الحكم خلال حوالي ثلاث سنوات، الأمر الذي يشير إلى أنه نسف ومن الأساس أي أمل في نجاح الحركة في قيادة البلاد خلال الفترة الماضية.

وبرأي المحللين السياسيين فإن النهضة ما بعد راشد الغنوشي ستنتهي إلى حالة من التفكك والتشظي لن ينقذها من "الانقراض" التيار السلفي ولا التيار البراغماتي لأنها حفرت قبرها بيديها بعد أن منحها التونسيون فرصة الحكم، غير أنها منيت بفشل ذريع في إدارة شؤون البلاد، وقادتها إلى أزمة خانقة.

ويضيف المحللون أن النهضة، التي تدحرجت شعبيتها إلى الحضيض، حتى أن مقراتها باتت عرضة للحرق من قبل المواطنين المحتجين على فشل سياسة حكومتها، لن تكون بعد الغنوشي سوى "خلية" نائمة من خلايا السلفيين أو "حزب سياسي" صغير منبوذ فاقد لأي ثقل أو تأثير في مجتمع قاد ثورة الربيع العربي من أجل الحرية والكرامة لا من أجل دولة دينية.

6