النهضة تؤسس لنظام استبدادي جديد في تونس

السبت 2013/09/07
المعارضة تواصل الحشد لإسقاط الحكومة

تونس – من المنتظر أن يحتشد اليوم آلاف التونسيين أمام مبنى المجلس الوطني التأسيسي للمطالبة برحيل حكومة حزب "حركة النهضة" الإسلامي. ومع أنّه "قد لا يكون يوما حاسما" فإنّه، بكلّ المقاييس، ليس يوما عاديّا في تونس، إذ يُوافق إحياء أربعينيّة النائب المعارض محمد البراهمي الذي تمّ اغتياله يوم 25 يوليو الماضي تزامنا مع احتفال البلاد بعيد الجمهوريّة. وفي إحيائها لذكرى فقيدها لا تزال الجبهة الشعبيّة تقف في الصفّ الأوّل للمشهّرين بـ"مماطلة" الحزب الحاكم في تقديم تنازلات حقيقيّة من أجل الخروج من الأزمة المتصاعدة وتيرتها.

زياد الأخضر، أمين عام "حزب الوطنيين الديقراطيين" والقيادي البارز في الجبهة الشعبيّة شخّصَ، في حواره مع "العرب"، الوضع الملتبس للأزمة الخانقة المراوحة لمكانها في تونس منذ 40 يوما.

أكّد زياد الأخضر، الذي خلف المعارض شكري بالعيد بعد اغتياله على رأس "حزب الوطنيين الديقراطيين"، أنّ حكومة علي العريّض لن تبقى وأنّها مرشّحة للرحيل خلال الأيّام القادمة. وقال الأخضر إنّ "يوم إحياء أربعينيّة محمد البراهمي نريده محطة كبرى على درب مسار إنقاذ البلاد". ومع ذلك هوّن أمين عام حزب "الوطد" من المراهنة على أنّ اليوم سيكون يوم الحسم، قائلا "ليس بالضرورة أن يكون إحياء هذه الذكرى هو يوم الحسم، وقد يحصل فيها الحسم مثلما قد لا يحصل، فالمهمّ أنّنا إزاء مسار إنقاذ وطني سينتهي برحيل هذه الحكومة. والأكيد أنّ حكومة علي العريّض لن تواصل العمل كما يحلم البعض منهم".

وحول ما انتهت إليه المشاورات المكوكيّة للخروج من الأزمة، قال القيادي البارز في الجبهة الشعبيّة، التي تضمّ 11 حزبا يساريّا وقوميّا، إنّ "حركة النهضة تُكرّر المواقف نفسها بأشكال مختلفة وأقوال مغايرة، مسعاها في ذلك دائما هو ربح الوقت والإصرار على الإبقاء على الحكومة وإعادة المجلس التأسيسي إلى عمله العادي".

المعركة الحقيقية

يرى زياد الأخضر أمين عام حزب "الوطد" أنّ الحكومة تحاول الالتفاف على غضب الناس والخروج من المأزق الذي هي فيه في اللحظة الراهنة. فالغضب ارتفع إلى درجة كبيرة لحظة اغتيال محمد البراهمي، لذلك تراهن على أنّ ذلك سيتضاءل شيئا فشيئا إلى أن تعود الأوضاع إلى وضعها الطبيعي مثلما عادت بعد اغتيال شكري بالعيد، مستدركا أن الوضع ليس ذاته، فالظروف تغيّرت والأزمة الخانقة التي تعيشها البلاد ليست نفسها التي شهدتها في 6 فبراير، ذلك أنّ وتيرة الإرهاب تصاعدت والثقة انعدمت بين المعارضة والحكومة وبين فئات واسعة من المجتمع وهذه الحكومة. كما أنّ المجلس الوطني التأسيسي لم يؤدّ المهمة المناطة بعهدته بشكل يجعل الشعب التونسي يحترمه ويثق به". والأكثر من ذلك، حسب محدّثنا، أنّ المجلس التأسيسي "أصبح رهينة في يد الحكومة، بل وأضحى أيضا مكانا يتمّ التآمر فيه على مكتسبات تونس التي تراكمت خلال عقود". أمّا الحلّ فهو واحد بالنسبة إلى الجبهة الشعبيّة وزياد الأخضر، إذ "لا يمكن الخروج من هذه الأزمة العميقة دون استيفاء شرط أساسيّ وهو أن تذهب الحكومة. وإن كانت الأمور لا تزال تراوح مكانها، فإنّه "في الخطاب والممارسات والمناورات السياسيّة الجارية، الكلّ يدرك أنّ هذه الحكومة قد ذهبت وهي مسألة وقت، أمّا المعركة الحقيقيّة فهي تدور في ساحة الاعتصام في باردو حول إمكانية أن يواصل المجلس التأسيسي عمله مثلما تتصوّر الأطراف الحاكمة أو أن يذهب كما طرحت جبهة الإنقاذ أو في الحدّ الأدنى أن يبقى المجلس بشرط أن تُحدّد مهامه وصلاحيّاته ومدّة عمله". وأردف الأخضر أنّ "هذه هي المعركة الكبرى، فالحكومة أو الائتلاف السياسي الحاكم يريد نقل المعركة إلى تخوم أخرى حول شكل الحكومة وما إلى ذلك… في حين حُسم أمر هذه الحكومة التي لن تواصل عملها بشكل عاديّ لأنّ كلّ الأطراف ترفضها"، حسب قوله.

"العرب" سألت زياد الأخضر في المقابل، إن كانت الجبهة الشعبيّة قد استجابت لطلب أمين عام الاتحاد العام التونسي للشغل حسين العباسي بتقديم تنازلات تماما كالسلطة بهدف تيسير الخروج من الأزمة، فقال "قلنا دائما إنّنا مستعدون لتقديم تنازلات إلى تونس وشعبها فقط، إن صحّ القول بأنّها تنازلات"، موضحا "نحن قدّمنا موقفنا الواضح بشأن إسقاط حكومة علي العريّض واستبدالها بحكومة إنقاذ وطني. وحين جاءت مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل اعتبرنا أنّ تقييمنا لمخرجات انتخابات 23 أكتوبر-تشرين الأول لا تشذّ في شيء عن مبادرة اتحاد الشغل، ولا نختلف معها إلاّ حول كيفيّة التعاطي مع المجلس التأسيسي. لذلك لم يكن من الصعب علينا، في الجبهة الشعبيّة وجبهة الإنقاذ، أن نعلن -والمفاوضات جارية- أنّ الجبهتين على استعداد لقبول مبادرة اتّحاد الشغل كاملةً، ولكن كحزمة من المقترحات تؤمّن في مجموعها الخروج من الأزمة. ومن ثمّة نعتبر أنّ المدخل الأساسي للتمكّن من إطلاق الحوار الوطني هو أن يوافق الائتلاف السياسي الحاكم برئاسة السيّد علي العريّض على تشكيل حكومة كفاءات وطنيّة، نسمّيها نحن حكومة إنقاذ وطني".

وينظر الكثير من التونسيين اليوم إلى أنّ "الترويكا" (الائتلاف الثلاثي الحاكم) قد انكمش كثيرا وأضحت حركة النهضة المهيمن الوحيد على دواليب الحكومة وقراراتها، وذلك جرّاء حالة الضعف التي أصابت حليفيها في الحكم وهما حزبا "التكتّل الديمقراطي من العمل والحريّات" و"المؤتمر من أجل الجمهوريّة"، فقد عرف هذان الحزبان العديد من الصراعات الداخليّة والاستقالات والانشقاقات. وفي هذا الصدد يرى أمين عام "حزب الوطنيين الديمقراطيين" أنّ "الائتلاف الحاكم تآكل داخل المجلس التأسيسي وتآكل في الواقع السياسي. فهذا الائتلاف، الذي كان يُعيّرُنا بأنّنا جماعة صفر فاصل أمام الأغلبيّة الساحقة التي يمثلها، نرى أنّه تفتّت وتذرّر ولم يبق منه اليوم إلاّ حزب النهضة، ولم يعد هناك ائتلاف سياسي حاكم مثل الذي عرفناه بعد انتخابات 23 أكتوبر-تشرين الأول".

زياد الأخضر:
* لم يبق من الائتلاف سوى حزب النهضة وبعض المجموعات المتحلّقة حوله تحاول إعطاءه الغطاء السياسي بأنّ هناك ترويكا حاكمة، في حين أنّ النهضة هي التي تقود الائتلاف

* جبهة الإنقاذ الوطني تقوم على مهمّتين أساسيّتين، هما حلّ المجلس التأسيسي وتعويضه بهيئة وطنيّة للإنقاذ وإسقاط حكومة علي العريّض وتعويضها بحكومة إنقاذ وطني

* حركة النهضة أعادت بسرعة إرث نظام الاستبداد رغبة في إرساء إدارة ودولة لتوظيفها في الانتخابات القادمة وتكون على شاكلة نظام بن علي

*تونس الآن بين صراع إرادتين: إرادة معارضة تصرّ على رحيل الحكومة وإصرار الائتلاف السياسي بقيادة حركة النهضة على بقاء الحكومة ومواصلة المجلس التأسيسي عمله.

* لدى النهضة مخاوف حقيقية بشأن وجود ملفات يمكن أن تُحيل بعض مسؤوليها إلى المحاكمة، وهو ما يجعلها ترفض تشكيل حكومة إنقاذ

الخلافات الداخلية والخطاب المزدوج

المتأمّل في تصريحات قيادات حزب النهضة الإسلامي الحاكم، خلال المفاوضات مع الأطراف الراعية للحوار الوطني، لا يجد صعوبة في تبصّر مدى الغموض والتناقض الذي تكتنفهما. وهو ما أدّى إلى الاختلاف في تأويلها، لكنّه اختلاف أثار أيضا الريبة حول خلفيّات عدم الوضوح وخاصّة التراجع عن إعلان زعيم النهضة راشد الغنوشي الموافقة على مبادرة اتّحاد الشغل برمّتها.

زياد الأخضر لا يرى في ذلك توزيعا للأدوار، بل يؤكّد أنّ "هناك خلافات حقيقيّة وأجنحة تتنازع وتختلف داخل حركة النهضة حول أمّهات القضايا المطروحة في الساحة السياسيّة التونسيّة. لكن هنالك في الوقت نفسه استخداما لازدواجيّة الخطاب من أجل ربح الوقت.

ومثال ذلك إعلان رئيس حركة النهضة عن قبول مبادرة اتّحاد الشغل، ثمّ إفراغه من محتواه في مرحلة أولى والانقلاب عليه كليّا بعد ساعتين في بيان رسمي". أمين عام الوطد يعتبر أنّ ذلك "كان عملا مُدبّرا قوامه الخطاب المزدوج وهدفه إرباك الساحة السياسيّة ودفع النّاس إلى تركيز انتباههم على مناقشة ما تُصرّح به حركة النهضة والصراع داخلها حول الموقف من مبادرة اتّحاد الشغل. وفي النهاية رجع قياديّو حركة النهضة إلى تصريحاتهم القديمة حول الخطوط الحمر بشأن حكومة لا يريدون التنازل عنها ومجلس تأسيسي يفرضون أن يواصل عمله وكأنّ شيئا لم يكن، وكأنّ محمد البراهمي لم يتمّ اغتياله ولم يُذبح جنود تونس والأمور كلّها جيّدة"، على حدّ تعبيره.

وفي الاتّجاه ذاته، يعتقد زياد الأخضر أنّ "حركة النهضة ليست حزبا متجانسا، بل فيه أجنحة متنافرة ومختلفة. فبالأمس وحّدتها مأساة السجون والقمع وما إلى ذلك، واليوم توحّدها جملة من المصالح أكثر من أيّ شيء آخر".

وبشأن اقتراح الحزب الحاكم تشكيل ما سمّته "حكومة انتخابات" بعد إنهاء المجلس التأسيسي عمله، قال الأخضر إنّ "جوهر هذا المصطلح قائم على ثلاثة معطيات وهي، أولا: النهضة لا تريد تسليم السلطة السياسيّة في اللحظة الراهنة لأيّ حكومة من أيّ نوع كان، بل تريد المسك باللعبة السياسيّة باعتبارها نصّبت عناصر حزبيّة نهضويّة في مفاصل الإدارة والدولة بهدف التحضير للانتخابات القادمة، وبذلك أعادت بسرعة إرث نظام الاستبداد رغبة في إرساء إدارة ودولة تكون على شاكلة نظام بن علي.

أمّا المعطى الثاني فهناك مخاوف حقيقية حول وجود ملفات يمكن أن تُحيل مسؤولين نهضويين إلى محاكمات قضائيّة"، قائلا: "أعرف أنّ هناك تجاوزات ستظهر قريبا للعلن". ويتمثل المعطى الثالث، حسب زياد الأخضر، في أنّ "ذهاب الحكومة يُعطي انطباعا للتونسيين بأنّ هذه الحكومة فشلت، والنهضة ترفض قبول وسمِها بالفاشلة في إدارة المرحلة الانتقاليّة والشأن العام، لذلك تريد أن تترك الحكومة تُنهي عملها، ثمّ تقول بما أنّ المعارضة تخشى التوجّه إلى انتخابات في ظلّ حكومة مستحكمة، فإنّه من الأفضل التعويل على حكومة انتخابات محدودة المهام وتُكلّف فقط بملف الانتخابات دون صلاحيّة اتخاذ أيّ إجراءات أخرى، فلا يمكنها مراجعة التسميات والتعيينات، وهو ما تمّ طرحه فعليّا في المفاوضات الأخيرة".

ويهدف ذلك في نهاية المطاف حسب زياد الأخضر إلى تمكين الحكومة الحالية للنهضة من إعداد وضع كامل يسمح لها بالفوز في الانتخابات القادمة، وبذلك فإنّها لا تسمح إلاّ بتشكيل حكومة صوريّة في وضع يحضّرونه سلفا لصالحهم وغير صالح لكلّ القوى الديمقراطية في تونس"، حسب ما ذهب إليه.

النهضة تضحي بشركائها


يؤكّد زياد الأخضر أنّ حركة النهضة من أجل تحقيق مخطّطاتها هي على استعداد لإزاحة من يقف في طريقها، سياسيّا. وقال في هذا الصدد "النهضة مستعدّة للتضحية برئيس المجلس الوطني التأسيسي مصطفى بن جعفر أو غيره إذا لم يسر في ركبها، وليس لدى النهضة أيّ مشكل في ذلك، فلها فقط مخطّطاتها وأهدافها، أمّا الآخر فليذهب إلى الجحيم"، على حدّ تعبيره.

يُذكر أنّ راشد الغنوشي كان قد صرّح سابقا بأنّه في السياسة ليس هناك صداقات دائمة وعداءات دائمة.

ويستذكر الأخضر هذا القول ليُبيّن أنّ الغنوشي "يمارس ما يقوله بالفعل اليوم. فبالأمس القريب كان يسبّ حزب "نداء تونس" وقياداته ويصفهم بالأزلام ورموز النظام البائد وبأنهم أخطر حتّى من السلفية الجهاديّة، واليوم أصبح اسمه الأستاذ الباجي قائد السبسي وهو من الشخصيّات الهامة والبارزة في هذه البلاد وأنّ حزب نداء تونس هو الحزب الذي يمكن أن تتعاون معه حركة النهضة اليوم لإخراج البلاد من الأزمة"… أمّا عن موعد حسم الأزمة السائدة في تونس، فيرى القيادي البارز في الجبهة الشعبيّة أنّنا "نشهد اليوم صراعا بين إرادتين، إرادة معارضة تصرّ على رحيل الحكومة وهذا يعكس مواقف فئات واسعة في المجتمع التونسي، وإصرار الائتلاف السياسي الحاكم بقيادة حركة النهضة على بقاء هذه الحكومة ومواصلة المجلس التأسيسي عمله بالشكل ذاته". وأضاف بصوت صارم "لا نعتقد أنّ هذه الحكومة ستبقى، بل مرشّحة للحلّ خلال الأيّام القادمة".

وحول ما توسم به حركة النهضة وحلفاؤها الجبهة الشعبيّة من نزوع إلى استخدام العنف، أكّد زياد الأخضر أنّه "رغم كلّ التهويل والتشويه الموجّه ضدّ الجبهة الشعبيّة فهي تعمل على لجم إمكانيات انفتاح باب العنف على مصراعيه، ذلك أنّنا لسنا دُعاة عنف بل نقف ضدّه عبر مختلف وسائل النضال التي نعتمدها".

وأوضح في هذا السياق أنّ الجبهة الشعبيّة وجبهة الإنقاذ لم تقوما إلاّ باحتجاجات مدنيّة سلميّة مثل الوقفات الاحتجاجيّة وسلسلة بشريّة وخيام أمام مقرّات الولايات، معتبرا أنّ "نزول التونسيين إلى الشارع يلجم إمكانيّات استخدام العنف. وهو الشكل النضالي نفسه الذي سنعتمده من أجل فرض رحيل الحكومة. ومع أنّهم يتصوّرون أن الوقت يلعب لصالحهم، إلا أنه يسير ضدّهم".

في هذا الصدد سألنا زياد الأخضر عن كيفيّة تقبّل الجبهة الشعبيّة لتصريح رئيس "حركة نداء تونس" الباجي قائد السبسي، الموسومة بكونها أكبر حزب معارض، حول رفضه "التمرّد" على مؤسّسات الدولة، فأوضح أنّ قائد السبسي "لم يقُل إنّه ضدّ الاحتجاجات وإنّما ضدّ الدخول إلى المؤسّسات وإخراج موظفيها. وهذا يتوافق مع مواقف الجبهة التي أكّدت منذ البداية على عدم اقتحام مؤسّسات الدولة أو منع المرفق العام من العمل".

وأكّد في هذا الباب أنّ "نظام بن علي كان يعمل على الاستيلاء على الإدارة والدولة، وهذا تحديدا ما أصبحت السلطة الحاليّة تقوم به ولم يمض على بدء ممارستها الحكم سوى عام ونصف العام، وهو ما سنُشهّر به وسندعو الناس إلى التصدّي له".

6