النهضة تبحث عن واجهة جديدة لتمرير أجنداتها

الحركة الإسلامية في تونس تجهض وثيقة "عهد التضامن والاستقرار".
الثلاثاء 2020/05/26
بوادر عزلة

باتت الضغوط المتصاعدة التي تمارسها عدد من الأحزاب السياسية على حركة النهضة تنذر بفقدان الإسلاميين لخيوط التحكّم في المشهد السياسي التونسي والدفع بهم إلى الهامش، ما دفع بالحركة الاسلامية إلى البحث عن واجهة جديدة تُحاول من خلالها إعادة صياغة الأدوار بما يضمن لها الحفاظ على التوازنات القائمة.

تونس – تُحاول حركة النهضة الإسلامية بشتى الطرق إعادة صياغة الأدوار ورسم سيناريوهات جديدة للمشهد السياسي العام في البلاد، عبر الدفع بمواقف تتسم في الكثير من جوانبها بتصعيد خادع تُريد من خلاله تغيير مسار الوقائع المضادة لأجنداتها.

وأكدت مصادر سياسية لـ”العرب”، أنه خلافا للمواقف المُعلنة التي تُشدد فيها على تعزيز الوحدة الوطنية وتشريك كل الأطراف السياسية والاجتماعية والاقتصادية لمجابهة التحديات التي تواجهها البلاد، تعمل هذه الحركة المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، جاهدة على الإبقاء على الوضع في البلاد هشا ومتأرجحا وفقا لحسابات مُرتبطة بأجندات المشروع الإخواني في المنطقة.

وكشفت ذات المصادر أن الحركة الإسلامية أفشلت التوقيع على وثيقة “عهد التضامن والاستقرار” التي تقدمت بها حكومة إلياس الفخفاخ في وقت سابق لتنقية المناخ السياسي من التجاذبات التي عمقتها الصراعات الجانبية التي أضعفت التحالف الحكومي الحالي.

وكان يُفترض أن يتم التوقيع على الوثيقة المذكورة قبل عيد الفطر، غير أن اجتماع مسؤولي أحزاب الائتلاف الحاكم الذي كان مُبرمجا الاثنين الماضي، لم يُعقد بسبب امتناع حركة النهضة عن الحضور، وذلك في موقف عكس استمرار هذه الحركة في سياسة المراوغة المزدوجة على مقاس مصالحها الضيقة، وحساباتها الحزبية التي لا تأخذ بعين الاعتبار متطلبات الاستقرار السياسي. ولم تقف مناورات النهضة عند إجهاض اعتماد تلك الوثيقة، وإنما تواصلت بمساع لخلق معادلات جديدة تُساعدها على فرض توازنات أخرى بتحالفات لم تكن في الحسبان مثل إعادة إحياء حركة نداء تونس تحت عنوان قوى الوسطية والاعتدال.

النهضة تسعى لخلق توازنات جديدة بتحالفات لم تكن في الحسبان مثل إعادة إحياء حركة نداء تونس

ويرى مراقبون أن “بيان قوى الوسطية والاعتدال” الذي وزع ليل الأحد-الاثنين، يندرج في سياق هذا المسعى لخلق مناخ داخلي قد يفرض على الفاعلين السياسيين واقعا يُجبرهم على تغيير سياساتهم بما يُعيد مسالك العملية السياسية إلى الخط الذي تريد حركة النهضة رسمه في قادم الأيام وذلك على ضوء الرسائل التي بعث بها الرئيس قيس سعيد إلى الطبقة السياسية.

وحمل البيان المذكور توقيع أكثر من 20 اسما لناشطين سياسيين ووزراء سابقين، منهم خالد شوكات، القيادي في حركة نداء تونس جناح علي الحفصي، الذي عينه رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ وزيرا مكلفا بالعلاقة مع البرلمان، ومحسن حسن وزير التجارة الأسبق الذي انتقل بين عدة أحزاب، ومحمد الغرياني آخر أمين عام لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي المُنحل.

ويقول الموقعون الذين لا يخفون علاقاتهم بحركة النهضة، إنه “ساءهم أن تعمل بعض الأطراف على إضعاف المعادلة الوطنية الداخلية، على نحو يهدد في العمق أمن البلاد واستقرارها وسلامة مسارها في الانتقال الديمقراطي وصلابة مؤسساتها الشرعية المنتخبة وحظوظها في إنقاذ مسيرتها التنموية الاقتصادية والاجتماعية”. وأثار توقيت توزيع هذا البيان الكثير من التساؤلات، لاسيما وأنه تزامن مع ارتفاع في حدة التصريحات الدالة على رفض استمرار حركة النهضة في عملية التضليل والمراوغة رغم تعثر مشروعها، إلى جانب تصعيد الرئيس قيس سعيد من مواقفه التي تشي بأن ساعة الحسم للقطع مع حالة التأرجح الراهنة التي يتسم بها المشهد العام في البلاد قد اقتربت.

وبعث سعيد في كلمة توجه بها إلى الشعب التونسي بمناسبة عيد الفطر، برسائل واضحة رغم تعدد الاتجاهات التي بدأت بحركة النهضة الإسلامية ورئيسها راشد الغنوشي، الذي يرأس حاليا البرلمان، ولم تتوقف عند الأطراف الساعية إلى إشاعة الفوضى في البلاد تحت عناوين مُختلفة. وقال في كلمته التي حركت مختلف القوى السياسية، إنه “لا يبحث عن خلق الأزمات أو إدارة الأزمات، كما تفعل بعض الأطراف السياسية”، مؤكدا في نفس الوقت أنه “لن يسمح لأي طرف بتجاوز القانون أو تجاوز صلاحياته التي منحها الدستور”.

وربط مراقبون هذا التأكيد بممارسات الغنوشي الذي يواجه حاليا اتهامات مُتصاعدة بتجاوز صلاحياته الدستورية من خلال إمعانه في إجراء الاتصالات واللقاءات مع قوى خارجية، وفرض تحالفات بأجندات لا تراعي مصلحة البلاد، عكست تعديا صارخا على صلاحيات الرئيس، التي ضمنها دستور البلاد.

4