النهضة تبعث برسائل مشفرة إلى نداء تونس لإشراكها في الحكم

الأربعاء 2015/01/14
البحث عن توافقات جديدة للبقاء في الحكم

تونس - تضاربت المواقف وتعددت ردود الأفعال بين الفاعلين السياسيين من مختلف الأحزاب، إثر إعلان مجلس شورى حركة النهضة الإسلامية قبل أيام قبوله المشاركة في الحكومة التونسية برئاسة الحبيب الصيد ودعوتها إلى تحييد وزارات السيادة، فقد اعتبر شقّ واسع من المحللين أن للنهضة خطابا ازدواجيا حيث تحاول استمالة نداء تونس لتشريكها في الحكم، في حين اعتبر الموالون للحزب الإسلامي أن الحركة تغلّب المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية الضيقة.

وأكد خميس قسيلة القيادي في حزب نداء تونس أن رئيس الحكومة المكلف الحبيب الصيد لم يعرض على حركة النهضة الإسلامية المشاركة في الحكم وإنما هو بصدد التشاور معها فقط باعتبارها طيفا سياسيا له وزنه في المشهد السياسي التونسي.

وأوضح قسيلة في تصريحات لـ”العرب”، أن حركة النهضة باعتبارها القوة الثانية في البرلمان لها الحق في التشاور بشأن تشكيلة الحكومة والتعبير عن مواقفها وتسجيل تحفظاتها، مستدركا بالقول “بغض النظر عن موافقة مجلس شورى الحركة بالمشاركة في الحكومة المقبلة، إلاّ أن ذلك لا يعني تشريكها في الحكم”.

وأضاف أن حزب نداء تونس من النواحي الدستورية والسياسية والأخلاقية سيحاسبه الشعب على أدائه في تسيير الشأن العام وسيتحمل وزر النقد، لذلك فإنّه يعمل على التشاور مع كافة الأطراف المكونة للمشهد السياسي والتحاور مع الجميع ضمن مبدأ الانفتاح وعدم الإقصاء، مشدّدا على أن الحزب “إذا ما أراد أن يكون مخلصا للناخبين فمن واجبه ألاّ يشرّك النهضة في الحكومة الجديدة”.

وأفاد أن حزبه تعامل بإيجابية مع حركة النهضة وتشاور مع قياداتها، مثلما تشاور مع القوى الديمقراطية والمنظمات الوطنية الكبرى التي لها حق النظر والاقتراح، “ولكن تمشي النداء ومواقفه العامة من الوضع السياسي لا يمكن أن تترجم بتشريك وزراء من النهضة”.

وأكّد خميس قسيلة أن المواطنين انتخبوا نداء تونس كي يقود حكومة تضع سياسة بديلة تختلف مع ما سبقها و”أي محاولة لتشريك وزراء من النهضة هو طلاق مبين مع الناخبين”.

قسيلة: أي محاولة لتشريك وزراء من النهضة هو طلاق مبين مع الناخبين

يشار إلى أن مجلس شورى حركة النهضة قرّر المشاركة في حكومة الصيد، وأعلن رئيس المجلس، فتحي العيادي، في مؤتمر صحفي سابق، أنَّ أغلبية أعضاء المجلس صوتوا لصالح مشاركة النهضة في الحكومة المقبلة.

وخلال مقابلة له بإحدى الفضائيات التونسية الخاصة، قال القيادي في حركة النهضة، حسين الجزيري، إن رئيس الحكومة المكلف الحبيب الصيد عرض على النهضة المشاركة في الحكومة التي يعتزم تشكيلها.

وتتعارض هذه التصريحات مع مواقف رسمية للعديد من القياديين في حزب نداء تونس الذين أكدوا أن الحبيب الصيد لم يعرض على حركة النهضة أي حقائب وزراية تذكر.

وتوضيحا لموقف النهضة من الحكومة الجديدة، أفاد العجمي الوريمي أحد قيادييها في تصريحات لـ”العرب”، أن الحركة أعلنت عن موافقتها المبدئية للمشاركة في حكومة وحدة وطنية إذا ما عُرض عليها الأمر رسميا.

وأكد أن حكومة الوحدة الوطنية لا تعني حكومة تحالفات ثنائية وإنما حكومة موسعة دون إقصاء، لذلك تمّت دعوة الحبيب الصيد لإجراء مشاورات مع أطراف غير ممثلة في البرلمان، معتبرا أن موقفهم يتناغم مع موقف الرئيس السابق المنصف المرزوقي الذي دعا بدوره إلى حكومة تجمع كل الحساسيات السياسية.

واعتبر الوريمي أن مشاركة النهضة في الحكومة الجديدة ستمنع التغول والهيمنة على السلطة من قبل حزب واحد، مشدّدا أن حزبه منفتح على الحوار مع جميع القوى السياسية.

وتعليقا على قرار النهضة بالمشاركة في حكومة الصيد أكد مراقبون أن الحركة الإسلامية متشبثة بالحكم مهما كانت الخيارات، وترفض التخلي عن السلطة ولو أدّى بها الأمر إلى نسج تحالفات مع حزب نداء تونس الذي كانت تقرّ في الماضي القريب جدّا بأنه “أخطر من السلفيين” وأنه “وجه آخر من أوجه النظام السابق”.

الوريمي: حركتنا منفتحة على الحوار ومشاركتنا في الحكومة الجديدة ستمنع التغول

وعبّرت الجبهة الشعبية أبرز الائتلافات الحزبية اليسارية في تونس عن رفضها الصريح لتشريك النهضة في الحكم، معتبرة أن ذلك لا يخدم مصلحة البلاد نظرا إلى حصيلتها الضعيفة في الحكم طيلة ثلاث سنوات وفشلها في تحقيق مطالب الناخبين ومعالجة ملفات محورية مثل الأموال المهربة والعدالة الانتقالية والتخلي عن الطابع الدعوي باستغلال الدين في طرحها السياسي، وهو ما ينفيه قياديّو الحركة في كل مناسبة معتبرين أن نهجهم معتدل وأنهم لا يهدفون إلى أسلمة المجتمع التونسي.

ولكن بالعودة إلى تصريحات سابقة لراشد الغنوشي، نجد أنّه قد اعترف ولو ضمنيّا بأنّه يؤسّس بالتّدريج لمشروع مجتمعيّ على النّهج الإسلاميّ برغم نفيه الدائم لهذه المزاعم، فقد كان يشدّد على أنّ تونس دولة إسلاميّة بالأساس غير أنّ حكّامها حاولوا تغريبها وتحديثها بفصل الدين عن الدّولة، لكنّهم حسب اعتقاده لم ينجحوا في ذلك لأنّ القوانين والمراسيم تستند إلى الشّريعة.

واستبعد محللون أن يتم تشريك حركة النهضة في الحكم، مشدّدين على أن الحكومة الجديدة بمعية نداء تونس ستوسع مشاوراتها حول هيكلة الحكومة وتركيبتها لتشمل إخوان تونس، ولكن ذلك لا يعني أنهم سيكونون طرفا في الحكم.

وعموما أصدرت النهضة بيانها لحسم التباين والاختلاف بين قياديّيها حول مسألة المشاركة في الحكومة من عدمه، ويعد موقفها بمثابة الرسالة المشفّرة الموجهة لنداء تونس وكذلك لبقية الأطراف السياسية بأنها على استعداد تام كي تكون شريكا في الحكم وأنها ترجّح المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية الضيقة وهو “ضرب من المناورة السياسية” على حدّ وصف معارضيها.

وتهدف النهضة بهذا الموقف من الحكومة المقبلة إلى توريط نداء تونس وتبيان أن من يرفض مشاركتها في الحكم هو في نهاية المطاف إقصائي ويرفض مبدأ التوافق إذا ما لم يتمّ عرض حقائب وزراية على قياداتها، كما تهدف إلى تنحية الجبهة الشعبية ونسف كل محاولة للتقارب في الطرح السياسي بين الحزبين في حال صار لها نصيب في حكومة الصيد.

2