النهضة تتحرك لتفادي نار الحسابات السياسية

تضاربت في الفترة الأخيرة تصريحات قياديي حركة النهضة بشأن الاستمرار ضمن الأحزاب المشكلة لحكومة الوحدة الوطنية برئاسة يوسف الشاهد من عدمه. لكنّ متابعين للمشهد السياسي في تونس يرون أن تلميحات النهضة باحتمال انسحابها من تحالفها الحالي مع حركة نداء تونس تكمن وراءها غايات وحسابات تتعلق بقرب موعد تنظيم الانتخابات البلدية.
الخميس 2018/01/25
مناورة جديدة

تونس - عادت حركة النهضة الإسلامية برئاسة راشد الغنوشي لتضفي المزيد من الغموض حول موقفها الحقيقي إزاء الانسحاب من الحكومة الحالية برئاسة يوسف الشاهد، أو بقاء هذه الحكومة، أو رحيلها أو إدخال تعديلات واسعة على تركيبتها، وذلك في تكتيك سياسي الهدف منه إبقاء الضغوط على الحكومة، وفي نفس الوقت إرباك حسابات حركة نداء تونس وبقية الأحزاب الأخرى.

وقال عبداللطيف المكي، القيادي البارز في الحركة ذات المرجعية الإسلامية، في تصريح لقناة محلية خاصة الأربعاء، إنه أحد الذين انتقدوا مشاركة النهضة في هذه الحكومة.

وأكد رفضه للأصوات التي تعالت خلال الأيام القليلة الماضية للمطالبة بحكومة كفاءات، ولكنه امتنع في المقابل عن التعليق على تصريحات عدد من قادة حركته حول إمكانية الانسحاب من الحكومة الحالية، التي ألقت بثقلها على المشهد التونسي الذي يتأرجح على وقع حسابات ومعادلات سياسية مفتوحة على عناصر مُتحركة وشديدة التقلب.

وساهم هذا الامتناع وتضارب التصريحات وما رافقها من غموض لم يبدّده البيان الذي أصدرته الثلاثاء حركة النهضة، في تزايد القلق من أبعاد تلك التصريحات، لا سيما في هذا الوقت الذي أصبحت فيه حكومة الشاهد هدفا للسهام الصديقة قبل نيران المعارضة.

وكانت محرزية العبيدي، نائبة البرلمان عن حركة النهضة، قد أكدت أن عددا من قادة حركتها “أعربوا خلال اجتماعات المكتب السياسي عن رغبتهم في مناقشة مسألة الانسحاب من حكومة الوحدة الوطنية”.

وبينما قال عبدالكريم الهاروني، رئيس مجلس شورى حركة النهضة، إنه “إذا رأت النهضة يوما أن مصلحة تونس تكمن في التحاقها بالمعارضة فلن تتردد”، فيما اعتبر عبدالحميد الجلاصي القيادي في حركة أن البلاد “تتطلب مواصلة الحكومة لعملها إلى حد إنهاء الانتخابات على الأقل”.

وبالتوازي، أكد رفيق عبدالسلام القيادي بالحركة أن “موضوع الانسحاب من الحكومة ليس مطروحا للنقاش أصلا.. لأن الأوضاع ليست مثالية في تونس، وستكون أسوأ بكثير في حال خروج النهضة إلى المعارضة”.

وفرض توقيت التصريحات التي بدأت بتسريبات حول ضغوط يمارسها البعض من قادة الحركة، تساؤلات لدى الأوساط السياسية حول رسائلها خاصة أنها تأتي قبل نحو 100 يوم على الانتخابات البلدية.

خميس كسيلة: تصريحات قادة النهضة ستساهم في إعادة ترتيب موازين القوى

ويرى مراقبون أن التلويح بالانسحاب من الحكومة، يؤشر إلى أن النهضة بدأت في تحريك أوراقها السياسية لتفادي احتراقها بنار الحسابات والمعادلات السياسية التي تدفع نحو إعادة تشكيل موازين القوى في البلاد التي أنهكتها الصراعات في ظل تواصل الانقسامات وتزايد الانتقادات للأداء الحكومي.

ويبدو أن استمرار الاحتقان الاجتماعي الذي عكسته الاحتجاجات التي لم تهدأ رغم تراجع وتيرتها، يدخل ضمن حسابات حركة النهضة وقراءتها لتطور الأحداث، وما يحيط بها من تداعيات وسط ضبابية الخيارات المتاحة أمام الحكومة الحالية.

ولهذا السبب، عكست هذه المناورة السياسية، درجة كبيرة من السلوك الابتزازي، بعيدا عن منسوب الربح والخسارة، ذلك أن ترجمة الانسحاب من الحكومة في هذه الفترة الحرجة التي تمر بها البلاد، من شأنه التسريع برحيل حكومة الشاهد، وإعادة تنظيم الانتخابات المحلية إلى مربع الشك.

ويعكس المشهد السياسي الراهن إقرارا خفيا لدى القوى السياسية، بأن تغيير الحكومة بات على المحك.

بل إن المتابع لتطورات المشهد السياسي الراهن يستطيع أن يلمس بسهولة أنه بات يحاكي في مؤشراته ومعطياته المشهد الذي سبق حجب الثقة عن حكومة الحبيب الصيد في العام 2016.

وتنظر الأوساط السياسية بقلق كبير من هذه المناورة السياسية التي تسعى من خلالها حركة النهضة إلى تحقيق أهداف خفية، ربما قد يكون أهمها إرباك حسابات المعارضة التي تبذل جهودا من أجل توحيد صفوفها، وتعزيز فرص مرشحيها في الانتخابات المرتقبة.

ويشاطر هذا الرأي النائب البرلماني خميس كسيلة، الذي قال لـ”العرب”، إن هذه المناورة ستساهم في إعادة ترتيب موازين القوى، على قاعدة أن “منظومة الحكم الحالية فشلت بالنظر إلى حصيلة عملها، التي أوصلت البلاد إلى حافة انفجار اجتماعي خطير”.

واعتبر أن مثل هذه المواقف الصادرة عن قادة حركة النهضة من شأنها التأثير مباشرة على الأداء الحكومي، خاصة وأن هذه الحكومة “بلغت درجة متقدمة من الهشاشة بعد أن فقدت حاضنتها السياسية في أعقاب الانسحابات الحزبية المتتالية منها ومن وثيقة قرطاج”.

ومن خلف هذه المقاربة، يمكن فهم أبعاد ما تخطط له حركة النهضة، ليس على مستوى الحكومة وما بعدها، بل على مستوى تجاذبات المشهد السياسي بكل حساباته ومعادلاته، التي تبرز انشغالات جديدة عكستها الاستعدادات الجارية للانتخابات المحلية.

4