النهضة تتخلص من عبء الماضي لتحسين صورتها

إلغاء أحكام بالمؤبد والإعدام صادرة ضد الغنوشي وجماعته، واستقالات جديدة تهز تماسك حركة النهضة.
السبت 2018/02/24
كيف يمحو ماضيه من ذاكرة التونسيين

تونس - أصدرت المحكمة الإدارية التونسية، حكما يتعلق بإلغاء كل الأحكام الصادرة عن محكمة أمن الدولة ضد عدد من قيادات حركة النهضة الإسلامية خلال الفترة ما بين عامي 1987 و2010، والتي تراوحت بين الإعدام والسجن المؤبد والأعمال الشاقة.

ويأتي هذا القرار اللافت للانتباه، بعد نحو سبع سنوات من إقرار العفو التشريعي العام الذي استفادت منه حركة النهضة وكوادرها، ووسط الكثير من التساؤلات حول أبعاده وارتباطه بسياسة الحركة المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين.

وترتكز هذه السياسة على التنصّل من التاريخ ومحطات الماضي المُلتبسة، كأحد أهم محركات عملية تحسين الصورة، لا سيما في هذه المرحلة التي تُوصف بالمنعرج الهام الذي تواجهه الحركة.

النداء والنهضة يتنافسان على كل المجالس المحلية

تونس - أعلنت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس الجمعة، أن حزبي النهضة ونداء تونس، قدما مرشحين للمنافسة على جميع المجالس البلدية في الانتخابات المزمعة في 6 مايو المقبل. وقال رياض بوحوش، عضو هيئة الانتخابات، في تصريحات إعلامية على هامش مؤتمر صحافي إنّ حزبي النهضة ونداء تونس احتلا المركز الأول بـ350 قائمة. وأوضح أن الحزبين غطّيا بذلك كل البلديات في البلاد. وتجرى هذه الانتخابات، التي تعدّ الأولى بعد إسقاط نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في 350 دائرة بلدية على مجموع 7 آلاف و182 مقعدًا. وأضاف أن الجبهة الشعبية (ائتلاف يساري معارض) جاءت في المركز الثاني، بـ132 قائمة، في حين حلّ مشروع تونس بـ48 قائمة ثالثًا. وقال بوحوش إنّ “العدد الإجمالي للقائمات المرشحة للانتخابات البلدية المرتقبة بلغ ألفين و173 قائمة”. وأوضح أن “الترشّحات توزعت على 177 قائمة ائتلافية، وألف و99 حزبية، و879 مستقلة، بينما بلغ عدد المترشحين 57 ألفًا و20 مرشحًا”. ولفت إلى أن نسبة الشباب فاقت 54 بالمئة من نسبة المترشحين، معتبرًا أن مشاركتهم إيجابية. ووفق أحدث إحصائيات لجنة الانتخابات التونسية، بلغ عدد الناخبين المسجلين في الانتخابات البلدية، 5 ملايين و369 ألف، دون احتساب الجالية بالخارج. ولفت عضو الهيئة أنّ “206 دائرة بلدية لم تتلق ترشحات ائتلافية، و29 دائرة غابت عنها الترشحات مستقلة”. بينما بلغ عدد المترشحين من حاملي الإعاقة ألفًا و812 شخصا، في حين تم سحب 36 قائمة لأسباب تقنية أو غيرها، لم يذكرها. وأكد بوحوش أن الخميس شهد إقبالًا قياسيًا على تقديم الترشحات باعتباره اليوم الأخير، وتم تسجيل تقديم 700 قائمة خلاله. 

ويهم قرار المحكمة الإدارية التونسية، الأحكام الصادرة ضد عدد من قيادات حركة النهضة الإسلامية، من بينهم رئيس الحركة راشد الغنوشي، ونائبه علي العريض، والأمين العام المُستقيل حمادي الجبالي، ونائب رئيس البرلمان التونسي الحالي عبدالفتاح مورو، ورئيس الكتلة النيابية للحركة نورالدين البحيري، وغيرهم.

وسارع راشد الغنوشي في بيان حمل توقيعه، إلى تثمين ما وصفه بـ”الموقف التاريخي للقضاء التونسي بإلغاء كل الأحكام الصادرة عن محكمة أمن الدولة المتعلّقة بمحاكمة حركة النهضة وقياداتها انطلاقا من سنة 1987 إلى سنة 2010″.

ويعكس هذا الموقف الذي عبّر عنه الغنوشي، أن علاقة الماضي بحاضر حركة النهضة الإسلامية، كانت دائما علاقة ضارة، وغير مرغوب فيها، باعتبار أن الماضي عبء من الأفضل التخلص منه، لا سيما في هذه المرحلة التي بدأت فيها مواقف أوروبا والغرب عموما تجاه تنظيمات الإسلام السياسي تتغير في اتجاهات لن تكون أبدا لصالحها.

ويميل مراقبون إلى وضع “تثمين” الغنوشي في سياق محاولة التخلص من عبء الماضي ليخوض معاركه القادمة بأكبر قدر ممكن من الليونة والمرونة في الخطاب السياسي، بعيدا عن لعنة الماضي التي مازالت تُطارده.

ويبدو أن انكشاف الخطاب الغربي بألوانه المُتعددة، وظهور مضمونه تُجاه تنظيمات الإسلام السياسي، وراء تحرّك الغنوشي ليوجه من خلال بيانه رسائل في اتجاهات مختلفة في مسعى لتسجيل أكثر من هدف سياسي في مرمى خصومه، ولطمأنة حلفائه أيضا بأن جهوده لتغيير صورة حركته بدأت تُعطي نتائجها.

وتبذل حركة النهضة جهودا حثيثة لتغيير صورتها النمطية كحركة قريبة جدا من جماعة الإخوان المسلمين التي تحوّلت إلى مركز تصدير للفكر المتطرّف، الذي تستند عليه التنظيمات الإرهابية، ما جعل العديد من الدول تُصنّفها إرهابية.

ولم تتوقف هذه الجهود منذ الإطاحة بحكم جماعة الإخوان المسلمين في مصر في العام 2013، حيث سعت بكل الطرق والوسائل إلى محاولة تسويق ما يتعذّر تسويقه من خلال تقديم صورة لنفسها لا تنسجم مع حقيقة ماضيها.

وتدرّجت في هذه الجهود من التخلي ظاهريا عن مرجعيتها الفكرية، ومن انتمائها للإسلام السياسي، إلى محاولة التنصّل من ممارساتها الميدانية السابقة التي جعلتها تصطدم في مناسبات عديدة مع السلطات الرسمية في عهدي الرئيس الراحل الحبيب بورقيبةـ والرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.

واتخذت هذه المحاولات منحى تصاعديا مع بدء بعض الدول الأوروبية والغربية عموما في مراجعة مواقفها تجاه تنظيمات الإسلام السياسي، وخاصة منها جماعة الإخوان المسلمين، حيث عادت حركة النهضة الإسلامية إلى محطات تاريخية لافتة في مسعى إلى شطبها نهائيا من ماضيها.

وترافق صدور قرار المحكمة الإدارية التونسية، مع الإعلان عن استقالة اثنين من الكوادر البارزة في الحركة هما محمد القلوي المُشرف على مكتب الهياكل وشؤون العضوية بالحركة، وجمال العوي المُشرف على مكتب الإعلام والاتصال.

وقبل ذلك، أعلن عبدالمجيد لغوان القيادي بحركة النهضة عن استقالته، واعتزاله العمل السياسي، وذلك في تدوينة أشار فيها إلى أن هذا القرار “مردّه وجود شبهات تحوم حول العمل السياسي”.

ورغم محاولات التقليل من وقع هذه الاستقالات، فإنها أثارت تساؤلات حول تماسك الوضع التنظيمي لحركة النهضة، خاصة وإن استقالة القلوي والعوي تزامنت مع بدء الاستعداد للانتخابات المحلية، وهما المعنيان مباشرة بهذا الاستحقاق باعتبار أن الحملات الانتخابية المرتقبة ترتكز أساسا على الهياكل الحزبية والإعلام.

4