النهضة تخترق أحزابا تشاركها في الحكم بتغذية صراعاتها وإدامة أزماتها

قيادي سابق في نداء تونس: كل تحالف مع حركة  النهضة هو انتحار سياسي.
الجمعة 2021/06/11
تحالفات هجينة للتموقع في السلطة

منذ تسلّمها مقاليد السلطة في تونس في العام 2011، دأبت حركة النهضة ذات المرجعية الإسلامية على تكوين تحالفات مع أحزاب تختلف معها أيديولوجيا وفكريا، بهدف اختراقها والتمكّن من مفاصل الدولة والتحكّم في مؤسساتها، فضلا عن “الانفراد” بصناعة القرار السياسي من وراء الستار.

تونس – اتهم نشطاء سياسيّون حركة النهضة الإسلامية باختراق الأحزاب التونسية المتحالفة معها في الحكم منذ 2011، في مسعى لتفتيتها وإرباكها عبر تغذية الصراعات بين قياداتها، وتحويلها إلى شتات وشقوق من شأنها أن تعمّق أزماتها وتعجّل بخروجها من الساحة السياسية.

وأفاد عبدالعزيز القطي، السياسي والقيادي السابق بحزب حركة نداء تونس أن “كل الأحزاب التي وضعت يدها في يد حركة النهضة إلا وانتهت بالتشتّت والتفتّت على غرار النداء”، قائلا “راشد الغنوشي هو أكبر شخصية غير مرغوب فيها من خلال نتائج استطلاعات الرأي منذ 2011”.

وأضاف في تصريح لـ”العرب”، “نداء تونس لم يكن في مأمن من التفتّت من خلال ذلك التوافق الهجين مع النهضة، والهدف من التوافق كان السعي لإضعاف النهضة سياسيا، لكن أصحاب القلوب الضعيفة والمصالح الضيّقة في النداء وضعوا أيديهم في يد الحركة”.

خليل الرقيق: النهضة تتخفّى وراء حلفائها وصراع الشاهد والسبسي أنهى النداء
خليل الرقيق: النهضة تتخفّى وراء حلفائها وصراع الشاهد والسبسي أنهى النداء

وتابع “ما نلاحظه الآن هو اتباع النهضة لنفس التمشي وبعد تفتيت أحزاب سابقة كانت شريكة في الحكم (التكتل الديمقراطي والمؤتمر من أجل الجمهورية ونداء تونس) تسعى لإضعاف حزب قلب تونس (شريك الحكم) والدليل على ذلك أن رئيس الحزب نبيل القروي يقبع في السجن الآن، فضلا عن واقع الخلافات بين قيادات قلب تونس”.

واستطرد القطي “بعد عشر سنوات تبيّن أن كل تحالف مع النهضة هو انتحار سياسي”.

واعتبرت شخصيات سياسية، أن كل الأحزاب التي تحالفت مع النهضة لم تعمّر طويلا في المشهد على غرار نداء تونس الذي نجحت الحركة في اختراقه وخلقت واقعا متصدّعا بين قياداته، كما صنعت خلافا محتدما بين مؤسستي رئاسة الجمهورية والحكومة (السبسي والشاهد).

وأفاد الناشط السياسي خليل الرقيق أن “ما يتحدث عنه القطّي مألوف ومعروف منذ سنوات، وأبرز اختراق للنهضة للأحزاب التي تشاركها هو الشرخ السياسي الذي وقع بين حكومة يوسف الشاهد والرئيس السابق الراحل الباجي قائد السبسي لاحتضان تلك الحكومة، فتمّ في البداية إبعاد القيادي البارز محسن مرزوق، ثم انقسم الحزب إلى ثلاثة أقسام وهي نداء تونس ومشروع تونس وتحيا تونس”.

وحول طرق اختراق النهضة للخصوم السياسيين، قال الرقيق في تصريح لـ”العرب”، “هناك قيادات كانت في نداء تونس وترعى مصالحها النهضة وهي تشتغل لحسابها وموجودة الآن في حزب قلب تونس، والنهضة فعلت نفس الشيء مع التكتّل والمؤتمر”.

وأضاف “النهضة تريد حلفاء لتتخفّى وراءهم في الحكم وتسعى لإضعافهم في نفس الوقت، وصراع الشاهد والسبسي أنهى النداء تماما، ولذلك ترفض عبير موسي رئيسة الحزب الدستوري الحر التحالف مع النهضة، لأنها تدرك جيّدا أنها لو فعلت ذلك فإن الحزب سينهار وسيعجّل بخروجها من المشهد”.

وأردف “النهضة تسعى دائما إلى أن تكون حزبا مؤثّرا وسط الحلفاء والكتل المشتتة، وتحاول الاستحواذ عليها (قلب تونس وائتلاف الكرامة) لأنها تستحقها لكي تبقى مصدر القرار الأساسي، وهناك عناصر لا تزال موجودة وتستغلها الحركة”.

وبينما يرى متابعون أن النهضة غذّت الخلافات بين القيادات في نداء تونس وغيره، يعتبر آخرون أن وجود شخصيات مهتزّة في تلك الأحزاب ساعدها على استمالتها وتوظيفها خدمة لمصالحها لضرب خصومها من الداخل.

وأفاد المحلل السياسي باسل الترجمان أنه “لا يوجد حزب لا يسعى لإضعاف خصومه، والنهضة لو لم تجد شخصيات مهتزة في نداء تونس لما استطاعت تفتيته”.

وأضاف في تصريح لـ”العرب”، “المشكلة في من يبيعون أنفسهم للنهضة، وهناك عناصر تريد أن تبيع خدماتها للحركة ضمانا لمصالحها”، قائلا “أحد القيادات الآن موجود في حزب معيّن خدمة لراشد الغنوشي، كان أيضا قياديا بارزا في النداء”.

وقادت الحركة صراعا محتدما ضد حلفائها (التيار الديمقراطي وحركة الشعب) في عهد حكومة إلياس الفخفاخ، سرعان ما أدى إلى انهيار حزامها السياسي، ثم عمّقته بتهمة تضارب المصالح ضد الفخفاخ.

Thumbnail

ويرى مراقبون أن النهضة تعتمد التمشّي ذاته مع حلفائها (قلب تونس وائتلاف الكرامة) في حكومة هشام المشيشي، وتسعى لإيجاد حزام برلماني هام يمكن أن يضمن الاستقرار الحكومي في ظاهره ولكن في باطنه يهدف للحفاظ على مكانة رئيس البرلمان ورئيس الحركة.

وسبق أن أكد الناشط السياسي ورئيس جبهة الإنقاذ التونسية، منذر قفراش أن “حركة النهضة الإخوانية تعمل دائما على تحطيم حلفائها من الداخل، حيث بدأ الأمر منذ 2012 عندما تحالفت مع حزب المؤتمر وحزب التكتل فانقسم الحزبان لعشرة أحزاب ثم اندثرا وتحالفت مع نداء تونس فقسمته لستة أحزاب واندثر”.

وقال في تصريحات صحافية “إن حركة النهضة تحالفت مع حزب قلب تونس فاستقال منه ثلث نوابه (استقالة 11 نائبا)، ودور النهضة واضح فهي تتحالف لتقسم حليفها وهو أمر طبيعى في فكر جماعة الإخوان حتى لا يبقى منافس قوي لهم فى الساحة عملا بمقولة فرّق تسد وحتى تهتم الأحزاب بمشاكلها الداخلية ولا تهتم بمؤامرات الإخوان ضد الوطن”.

واعتبر قفراش أن هذا الأمر يقوي سيطرة النهضة على الحكومة، وهي تعمل على ضرب خصومها عبر القضاء وبعض الإعلام الموالي لها لكي يجد المواطن نفسه مرغما على بقاء النهضة خوفا من حالة الفراغ السياسي، فالنهضة مثل السرطان فتاكة للأحزاب من الداخل.

وعرفت البلاد تحالفات سابقة قادتها النهضة، عجّلت بتفجير الأحزاب المدنية (أبرزها نداء تونس) من الداخل وإضعاف تمثيليتها في المشهد، فضلا عن ضرب مقومات الدولة الحديثة الساعية لتكريس قيم الديمقراطية والتعايش السلمي وقبول الاختلاف.

وتأسّس النداء في صائفة 2012 بقيادة الباجي قائد السبسي لمواجهة الإسلاميين الذين كانوا يهيمنون على المشهد آنذاك مستلهما مرجعيته من المشروع الوطني العلماني الذي قادته دولة الاستقلال التي تأسست العام 1956 بزعامة الحبيب بورقيبة.

ونجح خلال انتخابات 2014 في قطع طريق الحكم أمام النهضة بعد أن فاز بالأغلبية البرلمانية ومؤسسه برئاسة الجمهورية، إلا أن التيارين اللذين احتلا المرتبتين الأولى والثانية على التوالي في الانتخابات التشريعية انتقلا من المواجهة المفترضة إلى التعايش داخل تحالف حكومي برئاسة رئيس الحكومة يوسف الشاهد.

وعصفت بالحزب أزمة داخلية حادة بسبب صراعات بين شقّ قائد السبسي حليف النهضة وشقّ محسن مرزوق الذي يرفض التقارب معها، وقادت الأزمة إلى فقدان النداء لأغلبيته البرلمانية لفائدة النهضة نتيجة استقالة 22 نائبا احتجاجا على هيمنة حافظ قائد السبسي على قيادة الحزب وفرض مسار غير ديمقراطي.

4