النهضة تستأثر بالحكم بعد سيطرتها على البرلمان التونسي

استفادت حركة النهضة من ارتباك المشهد السياسي في تونس بعد الأزمات المتلاحقة التي عاشتها وتعيشها حركة نداء تونس وتداعياتها على الائتلاف لتفرض سيطرتها وتكون صاحبة القرار الأول في ما يتعلق بالعديد من الملفات المحورية.
الاثنين 2016/05/16
النهضة تفرض سيطرتها على كل شيء

تونس - فشلت تنسيقية الائتلاف الرباعي الحاكم في تونس، مساء السبت، في عقد اجتماعها الأسبوعي لتنسيق مواقفها وتوجهاتها السياسية التي عادة ما يستند إليها رئيس الحكومة الحبيب الصيد في معالجة الملفات التي تواجه حكومته، ليتعمق بذلك الشرخ الذي أخل بالتوازنات السياسية، ومكن حركة النهضة الإسلامية من مساحة جديدة للمناورة ضمن حلقات مسلسل عراك سياسي جعل البلاد تدخل في أزمة حكم وصفتها المعارضة بـ”الشاملة”.

ورأى مراقبون أن هذا الفشل كان متوقعا على ضوء التطورات التي سبقت موعد هذا الاجتماع، وخاصة منها تلك المرتبطة باستقالة رضا بالحاج من رئاسة الهيئة السياسية لحركة نداء تونس، وبتزايد غضب واستياء سليم الرياحي رئيس حزب الاتحاد الوطني الحر، وارتفاع حدة انتقادات حزب آفاق تونس للأداء الحكومي، وهي تطورات ألقت بظلال كثيفة على الوضع العام في البلاد يُرجح أن تكون لها تداعيات أخرى قد تزيد من تأزيم المشهد في قادم الأيام.

غير أن هذا الفشل بقدر ما كشف عن انهيار وشيك لهذا الائتلاف الرباعي الحاكم، فإنه بالقدر نفسه منح حركة النهضة فرصة لتُحكم سيطرتها على الحكومة الحالية برئاسة الحبيب الصيد، وتنتقل إلى ممارسة الحكم بشكل واضح بعد أن كانت تُمارسه من خلف الستار.

ويتجلي هذا التحول البارز في المشهد السياسي من خلال التحركات التي يقوم بها رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي الذي أصبح مكتبه في منطقة “مونبليزير” قبلة لمختلف القوى السياسية التي كانت سابقا تتجه نحو “البحيرة” حيث مقر حركة نداء تونس، وإلى قرطاج حيث القصر الرئاسي، وإلى “القصبة” حيث مقر الحكومة.

ويشهد مقر حركة النهضة هذه الأيام حراكا غير معهود، حتى أن الحبيب الصيد أضحى يتكئ على حركة النهضة لتوفير الحزام السياسي له ولحكومته، كما أن سليم الرياحي رئيس حزب الاتحاد الوطني الحر الشريك في الائتلاف الرباعي الحاكم، لم يجد سوى راشد الغنوشي للتشاور معه بعد أن علق مشاركته في هذا الائتلاف.

منذر ثابت: اختلال التوازن الراهن وظفته النهضة للإمساك بخيوط اللعبة السياسية

وبالتوازي مع ذلك، كثف الغنوشي من تصريحاته الداعمة للحكومة، حتى بدا كأنه الحاكم الفعلي لتونس، وهو انطباع يسود منذ مدة غالبية الأوساط السياسية التونسية التي لا تتردد في القول إن الحسابات الضيقة والمعارك السياسية الجانبية التي تخوضها بين الحين والآخر القوى الليبرالية مكنت حركة النهضة من العودة إلى الحكم من بابه الواسع بعد سيطرتها على البرلمان بأغلبية نسبية.

ويُؤكد المحلل السياسي التونسي منذر ثابت، هذه القراءة السياسية، حيث قال لـ”العرب”، إن الراهن السياسي في البلاد يعكس حقيقتين؛ الأولى تشير إلى أن حركة النهضة الإسلامية “تمثل الآن القوة السياسية والبرلمانية الأولى وفق كل المعايير والمعطيات التنظيمية والسياسية والإيديولوجية، بينما تؤكد الثانية أن الأحزاب ذات المرجعية العلمانية على اختلاف تشكيلاتها أصبحت ضعيفة وغير متماسكة، بالإضافة إلى فقدانها لخط سير واضح ومتماسك”.

واعتبر أن الخطير في هذا المشهد هو أنه في الوقت الذي “تُواصل فيه تلك الأحزاب خوض معارك سياسية جانبية وغير منتجة، تندفع حركة النهضة نحو تعزيز تأثيرها ونفوذها في المشهد السياسي العام في البلاد، مستفيدة من اختلال التوازن الراهن لصالحها، وبالتالي توظيفه في الإمساك بخيوط اللعبة السياسية”.

وتابع في تصريحه لـ”العرب”، أن تراجع دور وتأثير القوى الليبرالية في المعادلة الراهنة، بسبب الاستقالة السياسية حينا، والتنازلات حينا آخر تحت عناوين متعددة منها “التراجع التكتيكي”، ولد فراغا سياسيا منح حركة النهضة مساحات جديدة للتمدد في علاقة بالحكم”.

وذهب منذر ثابت إلى حد القول إن تلك العوامل والمستجدات “جعلت الغنوشي يبدو اليوم كأنه الحاكم بأمره في البلاد، بعد أن أصبح المرجع الأول لمختلف القوى السياسية بما في ذلك رئيس الحكومة الحبيب الصيد الذي أصبح يُنسق مع حركة النهضة بحثا عن غطاء سياسي بعد أزمة حركة نداء تونس، وتصدع الائتلاف الحاكم على مستوى بقية مكوناته الثانوية”، وذلك في إشارة إلى حزبي آفاق تونس والاتحاد الوطني الحر.

وتُشاطر مختلف القراءات السياسية ما ذهب إليه منذر ثابت، حتى أن المتابعين للشأن التونسي لا يترددون في القول إن التطورات السياسية المتسارعة في البلاد، جعلت حركة النهضة الإسلامية اليوم، تتحول إلى “الموزع الأول للأوراق السياسية في لعبة الحكم”.

ويجد هذا الوصف صدى له في مواقف وأدبيات المعارضة التونسية التي رغم تحميلها مسؤولية تردي الأوضاع في البلاد إلى حركتي النهضة ونداء تونس، لا تُخفي خشيتها من أن تونس اقتربت من منعطف خطير، وأصبحت “تعيش وضعا كارثيا وأزمة حكم شاملة، لا يوجد في الواقع ما يؤشر على إمكانية تجاوزهما في المدى المنظور”.

4