النهضة تسعى للسيطرة على الرئاسات الثلاث في تونس

مصادر مقربة من المكتب التنفيذي لحركة النهضة تؤكد أن الغنوشي يدفع باتجاه تكليف الأمين العام لحركته بتشكيل الحكومة الجديدة.
الاثنين 2019/10/14
محاولات لاستنساخ نظام الترويكا

مفردات كثيرة، وتوجهات ثابتة تخص خطة التمكين والسيطرة بالكامل على الحكم، أبرزتها نوايا حركة النهضة الإسلامية ومواقفها المعلنة في سنة انتخابية في تونس، وكشفت بعد الانتخابات التشريعية وخلال إجراء انتخابات الرئاسة عن مساعيها للسيطرة على الرئاسات الثلاث بعد دورتين نيابيتين، خيّرت فيهما التراجع خطوة إلى الوراء والدخول في تحالف حكومي مع أحزاب تختلف عنها في مشاريعها الفكرية والأيديولوجية.

تونس - تقترب حركة النهضة الإسلامية برئاسة راشد الغنوشي من إحكام سيطرتها على الرئاسات الثلاث في تونس (البرلمان والحكومة ورئاسة الدولة)، في مشهد يُعيد إلى الأذهان فترة تولّي حكومة الائتلاف الثلاثي الحاكم “الترويكا” قيادة البلاد عام 2011، وأدخلت البلاد في مأزق متعدد الجوانب مازالت تُعاني من انعكاساته إلى غاية الآن.

ورغم الغموض الذي يلفّ تفاصيل المشهد العام في البلاد في أعقاب الانتخابات التشريعية الأخيرة، برزت خطوط عريضة تحاول من خلالها حركة النهضة الإسلامية رسم التوازنات السياسية التي أظهرتها التطورات المتلاحقة التي تتسم بأجواء مُلتبسة تتنازع فيها الحسابات مع الشعارات.

وانطلقت، الأحد، عملية الاقتراع للانتخابات الرئاسية في دورها الثاني، التي يتنافس فيها المُرشّحان قيس سعيّد ونبيل القروي في كامل مراكز الاقتراع الموزعة على كافة أنحاء البلاد، على أن تُعلن الهيئة العليا المستقلة للانتخابات عن نتائجها الأولية، الاثنين أو الثلاثاء على أقصى تقدير، بحسب ما ذكره رئيس هيئة الانتخابات نبيل بفون.

ووسط هذه الأجواء التي ارتفعت فيها وتيرة تنافس المُرشحيْن للاستحقاق الرئاسي المُبكر، قيس سعيّد ونبيل القروي، ومع فتح صناديق الاقتراع، ألقت حركة النهضة بثقلها لدعم سعيّد، في سياق حسابات شديدة التعقيد، في مسعى إلى توظيفه لاستكمال حلقات استحواذها على الرئاسات الثلاث.

ويتضح هذا المسعى، من خلال المزاج المُنتشي بالنصر المغشوش الذي عكسته تصريحات رئيسها راشد الغنوشي، الذي يدرك أن فوز سعيّد برئاسة البلاد، سيُمكّنه من تحقيق أهداف حركته التي ترى في سعيّد “العصفور النادر”، الذي يسهل وضعه في قفص أجنداتها، بحيث لن يكون قادرا على الخروج عن سياق ما تُخطط له منذ عدة سنوات.

النهضة تؤكد دعمها بقوة لقيس سعيّد وتطمح لتعيين رئيس الحكومة من قياداتها

وتُشاطر هذه القراءة غالبية القوى السياسية، التي ترى أن المُرشح قيس سعيّد لن يتمكّن في صورة فوزه بهذا الاستحقاق الرئاسي، التخلص من أن يكون خارج دائرة نفوذ حركة النهضة والقوى المحيطة بها، لعدة أسباب موضوعية تبدأ بافتقاده لكتلة برلمانية تكون حزاما سياسيا له، وقابليته لأن يكون تحت جناحها، ولا تنتهي عند الحبال الطويلة التي كبّلته بها خلال الأسابيع الماضية.

ويُقر الفاعلون السياسيون في البلاد، بأن هذه الصورة التي بدأت ملامحها تتراكم لتُشكل مشهدا جديدا في البلاد، لا تبعث على الارتياح، ولا تؤسس لمسار ديمقراطي سليم، بقدر ما تثير الكثير من الهواجس والسيناريوهات المُقلقة بالنظر إلى الخطاب الحاد لحركة النهضة بما حمله من مفردات عنيفة واستفزازية مازالت أصداؤه لم تتلاشى بعد.

وأكد الغنوشي في تصريحاته، أن حركته المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين مصممة على”تحمل مسؤولياتها في الحكم” على قاعدة النتائج التي وصفها بـ”الإيجابية” في الانتخابات التشريعية، وكذلك أيضا من خلال دعمها للمرشح قيس سعيّد ليكون الساكن الجديد في قصر قرطاج الرئاسي.

وأنتجت الانتخابات التشريعية الأخيرة، مشهدا برلمانيا مشوها، ويتسم بالتفكك والتشتت، حصلت فيه حركة النهضة على المرتبة الأولى برصيد 52 مقعدا من أصل 217 مقعدا، وهي أغلبية محدودة بل هشة، ومع ذلك ستمكنها من رئاسة الحكومة الجديدة، وربما أيضا البرلمان، وذلك بحسب نص الدستور.

وينصّ الدستور التونسي للعام 2014، على أنه “في أجل أسبوع من إعلان النتائج النهائية للانتخابات، يكلف رئيس الجمهورية مرشح الحزب أو الائتلاف الانتخابي المتحصل على أكبر عدد من المقاعد في مجلس نواب الشعب، تكوين الحكومة خلال شهر، يجدد مرة واحدة”.

وبالاستناد إلى هذا النص الدستوري، أكد الغنوشي أن رئيس الحكومة التونسية القادمة “سيكون من حركته باعتبارها الفائزة بالانتخابات التشريعية”.

وقال في رد على سؤال لأحد متابعيه، عبر بث مباشر على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، مفاده هل سيكون رئيس الحكومة من النهضة؟ “هذا هو الأصل… نحن الحزب الأول في المشهد، والدستور ينص على ذلك أيضا.. وننتظر أن يدعونا رئيس الدولة على الأرجح الأسبوع القادم ليكلفنا بتشكيل الحكومة”.

هل يدخل سعيّد قفص أجندات النهضة
هل يدخل سعيّد قفص أجندات النهضة

إلى ذلك، أكدت مصادر مقربة من المكتب التنفيذي لحركة النهضة لـ”العرب”، أن الغنوشي يدفع باتجاه تكليف الأمين العام لحركته زياد العذاري بتشكيل الحكومة التونسية الجديدة، كما يسعى لإيجاد تفاهمات وتوافقات مع بعض الكتل البرلمانية القريبة من حركته تمكنه من رئاسة البرلمان، باعتباره أصبح نائبا برلمانيا بعد فوزه بمقعد عن دائرة تونس1.

ويتردد في كواليس الصالونات السياسية أن الغنوشي بدأ يضغط في هذا الاتجاه ليفرض بذلك تحولات جديدة بقياسات سياسية على المقاس، وفق معادلات يحاول تمريرها بالقول، “نحن على أبواب مرحلة جديدة، وسنتشاور مع جميع الشركاء الذين يشاطروننا الرأي للعمل على تنفيذ أهم أهداف الثورة التونسية”.

وعلى وقع هذه التطورات التي تنطوي على الكثير من الافتراضات في علاقة بخريطة أولويات الغنوشي التي تبدو مركزة على الاستحواذ على الرئاسات الثلاث، في عملية استنساخ رديئة لتجربة حكم الترويكا، ينزلق المشهد السياسي التونسي نحو مربع خطير يفتح الباب على مصراعيه أمام سلسلة لا تنتهي من التساؤلات التي لا تخلو من المخاوف المشروعة.

وقابلت مساع النهضة للانفراد بالحكم، دعوة من  رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد، الأحد، الى استعجال  تشكيل حكومة تعمل من أجل تحقيق مطالب التونسيين، مؤكدا  “على  أن أهم شيء اليوم هو أن تكون هناك حكومة تتسلم قيادة شؤون البلاد”.

وأكد الشاهد ضرورة الاستعجال في تشكيل حكومة تنكب على مطالب التونسيين المتعلقة بتحقيق العدالة الاجتماعية والشغل والتنمية بعد الانتخابات مباشرة.

4