النهضة تشن حملة ترهيب ضد معارضين طالبوا بإسقاط النظام

حملة اعتقالات تطال مدونين وناشطين تونسيين انتقدوا أداء الحركة الإسلامية التي صعدت من حدة خطابها الموجه ضد مختلف القوى المدنية في البلاد.
الخميس 2020/05/07
صراع أجندات بين البرلمان والسلطة

باتت قدرة رئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي على إدارة المؤسسة التشريعية وما يناط بعهدتها من مهام محل تشكيك بعد تضارب المواقف بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية في عدد من الملفات خاصة الإقليمية منها، ما ساهم في إرباك العمل الحكومي ودفع أطراف عدة إلى المناداة بحل البرلمان وإسقاط النظام برمته.

تونس – أربكت دعوات لإسقاط النظام وحل البرلمان التونسي تداولتها بكثرة صفحات التواصل الاجتماعي أجندات حركة النهضة الإسلامية التي سارعت إلى اتهام معارضيها السياسيين بالوقوف وراءها على الرغم من عفويتها وعدم تمترس أي حزب سياسي خلفها.

وصعّدت الحركة الإسلامية برئاسة راشد الغنوشي، من حدة خطابها الموجه ضد مختلف القوى المدنية في البلاد، وسط ضجيج مُتصاعد أملته أجندات سياسية تتباين وتتشكل على وقع تضارب المصالح على مسرح الأحداث المحلية والإقليمية والدولية بملفاتها المتفاوتة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وكذلك أمنيا وعسكريا.

وشنّت الحركة المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، حملة على كل من يخالفها الرأي، منذ فشلها قبل نحو أسبوع، في تمرير مشروعي اتفاقيتين مع أنقرة والدوحة، في البرلمان الذي يرأسه الغنوشي، تبين أنهما يستهدفان تحويل تونس إلى حديقة خلفية للمشروع الإخواني التركي-القطري في المنطقة.

جيلاني الهمامي: لا أستغرب مطالبة النهضة بسجني من أجل تدوينة مخالفة لرأيها
جيلاني الهمامي: لا أستغرب مطالبة النهضة بسجني من أجل تدوينة مخالفة لرأيها

واتخذت تلك الحملة أشكالا مُختلفة، ترافقت مع تحركات ضاغطة في كل الاتجاهات، حيث تواصلت تحت عناوين مُتعددة سعت من خلالها إلى البحث عن أوراق ضغط جديدة، في مسعى لتوسيع مساحات نفوذها، وتكريس سطوتها على البلاد، مستفيدة من المتغيرات والتحولات التي أفرزتها جائحة كورونا.

وتكشف مواقف وتصريحات مسؤولي هذه الحركة، التي تتالت خلال اليومين الماضيين، بلغة تم فيها استحضار خطاب المؤامرة، وخطر الحرب الأهلية، لتبرير مفردات التهديد، وعبارات الوعيد التي تخللتها، إذ وجدت الحركة في الكمامات التي فرضتها جائحة كورونا، فرصة لمحاولة تكميم أفواه الرافضين لمشروعها.

ووصلت تهديدات حركة النهضة إلى درجة أن نورالدين البحيري، رئيس كتلتها النيابية بالبرلمان، لم يتردد في القول في تصريحات إذاعية “ما دواء الفم الأبخر إلا السواك الحار.. “، وذلك في الوقت الذي ضجت فيه الصفحات الفيسبوكية التي تتحكم فيها هذه الحركة بسلسلة لا تنتهي من الاتهامات الخطيرة لمجمل القوى الرافضة للمشروع الإخواني.

ورد جيلاني الهمامي، الناطق الرسمي باسم حزب العمال التونسي، على هذا التهديد بالقول في تدوينة له “لا أستغرب مطالبة نورالدين البحيري بسجني من أجل تدوينة عبرت فيها عن رأي سياسي يخالفه، فالشيء من مأتاه لا يستغرب”.

ويتضح من خلال تلك الاتهامات، أن حركة النهضة انتقلت بسرعة من دائرة الوعيد والتهديد، إلى مربع تسخير كل طاقاتها وإمكانياتها لتوظيف أجهزة الدولة التي اخترقتها لتحقيق مرادها عبر اتهام من يُخالفها الرأي بـ”بث الفوضى والبلبلة في البلاد”، بما يمكنها من فرض سطوتها على خصومها بمختلف الأدوات المتاحة.

وأعلن في هذا السياق، محسن الدالي رئيس وحدة الإعلام والاتصال بالمحكمة الابتدائية بتونس، أن النيابة العامة “تعهدت بعدد من الدعوات التحريضية ضد مؤسسات الدولة القائمة، وبث البلبلة على سير عملها”.

ناجي البغوري: حكومة إلياس الفخفاخ باتت تخضع لمجلس شورى حركة النهضة
ناجي البغوري: حكومة إلياس الفخفاخ باتت تخضع لمجلس شورى حركة النهضة

وأشار في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء التونسية الرسمية، مساء الثلاثاء، إلى أن النيابة العامة “عهدت لفرق أمنية مُختصة للبحث في هذه الدعوات التي وردت على شبكات التواصل الاجتماعي، وذلك في انتظار اتخاذ القرارات المناسبة تبعا لتلك الأبحاث”.

وقال ناشطون سياسيون أن أجهزة الأمن شنت حملة اعتقالات واسعة شملت العديد من المدونين، وخاصة منهم الذين وجهوا انتقادات لحركة النهضة الإسلامية، ولرئيسها راشد الغنوشي.وأثار هذا التطور المفاجئ استغراب واستياء مختلف القوى السياسية، بالنظر إلى توقيته الذي جاء مباشرة بعد بيان مشحون بالاتهامات صادر عن مجلس شورى حركة النهضة، ترافق مع دعوات لعدد من النواب المحسوبين عليها، إلى فتح تحقيق عاجل في هذا الموضوع.

وكان مجلس شورى حركة النهضة قد ندد بشدة بما وصفه “استهداف رئيس مجلس البرلمان، راشد الغنوشي”، وبـ”المحاولة اليائسة لإرباك المسار الديمقراطي وتعطيل عمل مؤسسات الدولة”، داعيا في نفس الوقت إلى إبعاد قطاع الإعلام عن “سطوة الأجندات السياسية والأيديولوجيا، ومراكز التأثير المالي المحلي والدولي”، على حد تعبيره.

وأمام هذه المغالطات التي تؤكد تعامل حركة النهضة في كافة مواقفها وسياساتها انطلاقا من منظور نفعي، لم يتردد نقيب الصحافيين، ناجي البغوري في القول إن “حكومة إلياس الفخفاخ تخضع لمجلس شورى حركة النهضة”، مُعتبرا في تدوينة له أن “اعتقال المدونة آمنة الشرقي فضيحة دولة ومؤشر خطير لعودة سياسة القمع وتكميم الأفواه”.

وقبل ذلك، اعتبر النائب البرلماني، منجي الرحوي، أنه “كان من الأجدر على حركة النهضة قبل إصدار بيان من هذا القبيل أن تعيد حساباتها في ما يتعلق بأدائها البرلماني الذي أصبح يمثل عبئا على الشعب التونسي، وأن تراجع العمل البرلماني”.

وتكشف ردود الفعل هذه، مدى خطورة هذا السلوك الذي يعطي بعدا آخر حول استغلال حركة النهضة لأزمة جائحة كورونا وتوظيفها من أجل إقصاء خصومها والتضييق عليهم بمختلف الأدوات المتاحة، في مسعى لفرض إرادتها لاحتكار القرار السياسي، حتى يتسنى لها إحكام سيطرتها على مجمل الوضع في البلاد.

4