النهضة تضع الشاهد في اختبار ثقة جديد

حركة النهضة اختارت رئيس الحكومة يوسف الشاهد لاستهدافه بمناوراتها التي تعكس استفزازا مُتعمدا، يدرك الشاهد أبعاده وخفاياه وكذلك مخاطره على مسيرته السياسية.
الأربعاء 2019/07/10
الشاهد تحت الضغط

تضع حركة النهضة الإسلامية رئيس الحكومة يوسف الشاهد وحزبه تحيا تونس في إحراج جديد بعدما أكدت أنها تدرس إمكانية بقائه رئيسا للحكومة أو إقالته في رسالة مفادها أنها المسيطر الوحيد على الواقع السياسي في البلاد مستفيدة من حالة التشظي التي تشهدها الأحزاب الحداثية.

تونس- تعود حركة النهضة الإسلامية برئاسة راشد الغنوشي، إلى سياسة تعويم المشهد العام في البلاد من خلال مناورات لا تخلو من الابتزاز والمساومة، مستفيدة من فائض القوة الذي راكمته على أنقاض حالة الانقسام والتشرذم التي تعصف ببقية القوى السياسية والحزبية.

واختارت هذه الحركة المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، رئيس الحكومة يوسف الشاهد، لاستهدافه بمناوراتها التي تعكس استفزازا مُتعمدا، يدرك الشاهد أبعاده وخفاياه، وكذلك أيضا مخاطره على مسيرته السياسية، ومستقبل حزبه الوليد “تحيا تونس”.

واتخذ ذلك الاستفزاز عناوين مُتعددة، تبقى أبرزها ما كشف عنه عبدالكريم الهاروني، رئيس مجلس شورى حركة النهضة من “وجود مفاوضات مع يوسف الشاهد حول بقائه في منصبه بشروط أو تخليه عن رئاسة الحكومة بشروط أيضا”.

وقال في كلمة ألقاها خلال الدورة السنوية الثالثة لكوادر هذه الحركة الإسلامية، إن “النهضة تتفاوض حاليا مع رئيس الحكومة ونحن مازلنا نتفاوض معه ونقدم شروطنا من أجل شراكة حقيقية… سياستنا واضحة وهو ما جلب لنا احترام الجميع”.

وكان لافتا أن هذه الكلمة ألقيت في الثاني والعشرين من الشهر الماضي، غير أن الحركة الإسلامية تعمدت نشرها قبل يومين في موقعها الرسمي، الأمر الذي جعل توقيت سياقها السياسي يكشف عن مناورة لا يمكن تجاوزها، بالنظر إلى رسائلها في علاقة بمعادلات الاستحقاقات الانتخابية القادمة.

وتؤشر تلك الرسائل إلى واقع سياسي يصعب التغافل عن معطياته، لأنها لا تقتصر على محاولة النهضة إحراج يوسف الشاهد وحزبه فقط، من خلال الإيحاء بأنه “رهينة لديها”، وإنما أيضا لمجمل مكونات المشهد السياسي في البلاد بأنها الوحيدة المعنية برسم خطوط التحالفات القادمة.

وبدت تلك الرسائل واضحة، خاصة وأن القيادي في حركة النهضة، عبداللطيف المكي، عاد الاثنين، ليؤكد ما ذهب إليه عبدالكريم الهاروني، حيث أكد أن التفاوض مع يوسف الشاهد “يتم بشروط سواء تعلق الأمر ببقائه في الحكومة أو بخروجه منها”.

مصطفى بن أحمد: ليس بإمكان حركة النهضة إملاء شروطها على الشاهد
مصطفى بن أحمد: ليس بإمكان حركة النهضة إملاء شروطها على الشاهد

وعلى وقع هذه التأكيدات، اتخذ التعاطي مع هذه المناورة شكلا مختلفا باعتبار أنها سابقة لها دلالاتها، لجهة إدخال العلاقة بين حركة النهضة ويوسف الشاهد، وحزبه “تحيا تونس” في اختبار آخر يبدو أكثر جدية، قد يضع الوضع العام في البلاد أمام فصل جديد من فصول سياسة الابتزاز والمساومة.

ولعله لهذا السبب لم يتردد مصطفى بن أحمد، نائب رئيس “تحيا تونس” في القول لـ”العرب”، إن تصريحات الهاروني، وتأكيدات المكي، مرفوضة لأنها لا تنسجم مع الواقع السياسي الراهن، وهي بذلك تصريحات “مُتهورة” و”خطيرة”.

وشدد على أنه “ليس بإمكان حركة النهضة إملاء شروطها على يوسف الشاهد، وحزب ‘تحيا تونس’، باعتبار أنه ليس هناك أي اتفاق مُسبق معها، ذلك أننا تقاطعنا معها في مسألة الدفاع عن الاستقرار الحكومي والسياسي فقط خلال الفترة التي كان فيها ذلك الاستقرار مُهددا”.

ولم يتردد في المقابل، في وصف تلك التصريحات بأنها “تندرج في سياق خطاب دعائي موجه لقاعدتها الانتخابية، أملته حسابات سياسية خاطئة أعادت إلى الأذهان نزعة الهيمنة التي اتسمت بها سياسة حركة النهضة خلال فترة حكم الترويكا للبلاد”.

وقبل ذلك، اعتبر وليد جلاد، القيادي في حزب “تحيا تونس”، أن تصريحات الهاروني “غير مسؤولة وعبث سياسي” لأنها تأتي في وقت صعب تمر به البلاد، لافتا في تصريحات إذاعية إلى أن “مثل هذه التصريحات لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية، وتمس بالمسار الانتخابي والديمقراطي للبلاد”.

وتشاطر أغلب القراءات التي تناولت هذه المناورة السياسية الجديدة ما ذهب إليه مصطفى بن أحمد، ووليد جلاد، باعتبار أن حركة النهضة تُدرك قبل غيرها أنه لم يعد بمقدورها الإطاحة بيوسف الشاهد من خلال البرلمان، لاعتبارات قانونية وأخرى مُرتبطة بطبيعة التوازنات تحت قبة البرلمان.

لكن ذلك، لا يحول دون النظر إلى هذه المُناورة الجديدة، وما رافقها من تبريرات يسوّقها الخطاب الرسمي والإعلامي لقادة النهضة، على أنها تعكس في بعض جزئياتها مأزق هذه الحركة الذي بدأ يتعمق بإعلان لطفي زيتون استقالته من منصبه كمستشار لراشد الغنوشي.

كما يتجلى ذلك المأزق الذي يُرجح أن تتسع دائرته أكثر فأكثر من خلال فقدان هذه الحركة الكثير من قاعدتها الانتخابية، وهي بذلك تريد من خلال هذه المناورة إعادة ملء خزانها الانتخابي، طارحة بعض الشروط على يوسف الشاهد، منها الإسراع بصرف التعويضات المالية للمئات من أنصارها.

وتحوّل الشاهد وحزبه تحيا تونس إلى حليف للنهضة في إطار ما يعرف في البلاد بـ”منظومة التوافق”، بعدما فك حزب نداء تونس تحالفه معها بسبب رفضها مطلبه بإقالة حكومة الشاهد العام الماضي. وأعلن الرئيس الباجي قائد السبسي في سبتمبر الماضي فك التوافق السياسي بينه وبين حزب النهضة بطلب من الأخير.

وقيل حينئذ إن النهضة تراهن على طرف سياسي جديد يكون أكثر ليونة من حزب النداء ورئيسه قائد السبسي، وعقب ذلك بأشهر تم الإعلان عن تأسيس حزب تحيا تونس وسط أنباء عن دور للنهضة في تأسيسه.

4