النهضة تلمح إلى تخليها عن دعم رئيس الحكومة التونسية

الحركة تقايض الشاهد مقابل عدم ترشحه لانتخابات 2019، وتشابك خيوط اللعبة السياسية يعقد الأزمة.
الأربعاء 2018/07/18
تركيز كامل على الخطة

تونس - استبقت حركة النهضة الإسلامية الحراك السياسي المتصاعد في أعقاب تعثر الاجتماع التشاوري لأبرز الفاعلين في المشهد العام في البلاد، الذي عقد الاثنين بقصر قرطاج، بتوجيه رسائل سياسية تجاوزت في مضامينها الأزمة الحكومية الراهنة إلى محاولة رسم الخطوط العريضة لمعركة سياسية ستحدد طبيعة المشهد في علاقة بالاستحقاقات الانتخابية المقررة في 2019.

ولم تنتظر هذه الحركة المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، طويلا، حيث عادت بعد ساعات من تعثر ذلك الاجتماع بسبب تمسكها بموقفها الداعم لرئيس الحكومة يوسف الشاهد إلى سياسة المقايضة. وسعت النهضة إلى إرسال إشارات لافتة إلى إمكانية تخليها عن الشاهد، الذي وقع في فخ مناوراتها عندما ذهب إليها طواعية في سياق حسابات مغلوطة أملتها قراءات متناقضة لمعادلة الربح والخسارة.

وتجلت سياسة المقايضة هذه في بيان وزعته حركة النهضة الإسلامية في أعقاب اجتماع مكتبها السياسي مساء الاثنين، أي بعد ساعات من اجتماع قصر قرطاج الرئاسي الذي انتهى إلى ما بدأ به رغم الاتهامات والاتهامات المتبادلة التي أبقت على الأزمة الحكومية في مربع الانسداد وهو ما نسجت خيوطه مناورات راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة بحسب غالبية الفاعلين السياسيين.

وجددت النهضة، في هذا البيان، دعوتها إلى رئيس الحكومة يوسف الشاهد إلى “الالتزام بعدم الترشح للانتخابات الرئاسية 2019 وبإضفاء المزيد من النجاعة على العمل الحكومي، عبر التعجيل بإجراء تعديل وزاري وخاصة سد الفراغات في المناصب” الوزارية.

غازي الشواشي: النهضة استغلت الشاهد للترويج لصورتها وستتخلى عنه متى استنزفت ذلك
غازي الشواشي: النهضة استغلت الشاهد للترويج لصورتها وستتخلى عنه متى استنزفت ذلك

وأشارت إلى أن هذا الموقف “أكده رئيس الحركة راشد الغنوشي خلال اللقاء الذي عقد الاثنين في قصر قرطاج بدعوة من رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي”.

ولم تكتف الحركة بذلك، وإنما ذهبت إلى التشديد وفق ما جاء في بيانها “على وجوب استمرار الحوار وتوسيعه في إطار روح التوافق التي ميزت ديمقراطيتنا الناشئة وجنبت بلادنا المزالق والاهتزازات”.

ورأى مراقبون هذا الموقف الذي لا يخرج عن سياق مناورات حركة النهضة التي تحاول من خلالها رسم خطوط تحركاتها، يأتي فيما تزايدت الضغوط على يوسف الشاهد لدفعه إلى الاستقالة أو الذهاب إلى البرلمان لتجديد الثقة. ويعني الأمر أن الحركة أرادت من خلال ذلك إعادة إيصال رسائلها السياسية تبعا لمتغيرات موازين القوى، وتبدل المعطيات التي بدأت تعاكس أجنداتها.

ويبدو أن تلك الضغوط، وما رافقها من تبدل واضح في المواقف، هما اللذان دفعا حركة النهضة للعودة إلى سياسة المقايضة في الربع ساعة الأخير من هذه الأزمة
التي اختلطت فيها الحسابات والمعادلات الخاطئة.

وقال غازي الشواشي، الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي وعضو مجلس نواب الشعب، لـ”العرب”، إن “ما جاء في بيان حركة النهضة مجرد مواقف تكتيكية مكشوفة، ولم تعد تنطلي على الفاعلين السياسيين الذين يدركون أن دعمها ليوسف الشاهد ليس لشخصه وإنما لدعم صورتها في الخارج”.

وأوضح الشواشي أن الجميع في تونس على قناعة بأن حكومة يوسف الشاهد انتهى عمرها، وأن حركة النهضة على استعداد للتراجع عن دعمها للشاهد الذي استغلته للترويج لصورتها في الخارج كحركة “حريصة على الاستقرار الحكومي والسياسي”، متى استنزفت ذلك الاستغلال والتوظيف.

وانتقد، في المقابل، الإصرار على حرمان الشاهد أو غيره من حقه الدستوري في الترشح للانتخابات إذ وصف الأمر بـ”الموقف الخطير الذي يتعين على الجميع رفضه وإدانته”.

وبينما التزم يوسف الشاهد وأنصاره الصمت أمام هذه المقايضة المكشوفة، وبدت حساباتهم كأنها مازالت تتأرجح في محاولة لفهم المغزى السياسي من هذا التبدل الواضح في موقف حركة النهضة، تكاد مختلف القراءات تجمع على أن هذا الموقف كان متوقعا.

وتذهب الأوساط السياسية إلى اعتبار أن حركة النهضة الإسلامية أيقنت أن اتجاهات الأحداث بدأت تتبدل وتعاكس طموحات يوسف الشاهد، وأنها وصلت إلى مربع أصبحت فيه غير قادرة على الاستمرار في إملاء ما كانت تفرضه. وبالتالي لا يمكنها الاستمرار في الاستثمار في رهان خاسر.

وتدرك حركة النهضة الإسلامية أن المشهد في البلاد بدأ يتجه نحو عملية فرز جديدة على قاعدة اصطفافات سياسية باتت تمليها حسابات المرحلة الجديدة، لذلك لم تتردد في إدارة ظهرها ليوسف الشاهد. ويعكس بيان المكتب السياسي لحركة النهضة التوجه نحو إعادة ترتيب أوراقها استعدادا للمواجهة السياسية المفتوحة على كل الاحتمالات، بسبب تصدع تفاهماتها مع الرئيس السبسي الذي لم يتردد في وصف الغنوشي بـ”المرشد”.

4