النهضة تلوح بسحب الثقة من حكومة الفخفاخ عقابا للشركاء الأعداء

سحب حركة النهضة ثقتها من رئيس الحكومة خطوة استباقية للهروب من مأزق العزلة السياسية وتصدير أزمتها الناجمة عن إحراج المعارضة المتواصل لها نحو الحكومة.
الثلاثاء 2020/07/07
صراع البقاء يحتّم إعادة توزيع الأدوار

تونس- تستعد حركة النهضة التونسية لإطلاق رصاصة الرحمة تجاه حكومة إلياس الفخفاخ التي تتعرض للتشكيك والانتقادات، حيث تناور النهضة شركاءها في الحكم كرد فعل سياسي على رفض دخولهم “بيت الطاعة” بعد المواقف الأخيرة للتيار الديمقراطي وحركة الشعب الداعمة لمبادرات رئيسة كتلة الحزب الدستوري الحر بالبرلمان عبير موسي أشرس المعارضين للنهضة.

ودعا المكتب التنفيذي للنهضة مجلس الشورى إلى الاجتماع السبت القادم لإعادة النظر في موقفها من الحكومة بعد أن كانت قد أكّدت في اجتماع عُقد منذ أسبوع انتظار نتائج التحقيقات بخصوص شبهة تضارب المصالح التي تلاحق الفخفاخ.

وقال مصدر مطّلع إن سحب النهضة ثقتها من الفخفاخ احتمال سيطرح للنقاش في الاجتماع الاستثنائي لمجلس الشورى، وهو ما لمّح له بشكل غير مباشر بيان المكتب التنفيذي.

تتفاقم مخاوف النهضة بعد نجاح رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي في توحيد شق كبير من القوى المدنية والسياسية المناوئة لتدخل الغنوشي في الملف الليبي ودعمه للمحور التركي القطري

ويأتي تصعيد النهضة كخطوة أخرى من الحركة لابتزاز الفخفاخ ودفعه إلى مراجعة تحالفاته السياسية، وهو ما يضعف مباشرة “حكومة الرئيس” التي جاءت بعد سقوط حكومة الحبيب الجملي الذي كان مرشح النهضة لهذا المنصب، فضلا عن خلافات تقودها الحركة ضد حلفائها في الحكم.

وتستمد الأحزاب المشاركة في حكومة الفخفاخ – وهي حركة الشعب والتيار الديمقراطي وحركة تحيا تونس – شرعيتها من رئيس البلاد قيس سعيّد، ما اعتبرته النهضة – الفائزة في الانتخابات التشريعية – التفافا على نتائج الانتخابات وانطلقت حينئذ في إرباك العمل الحكومي من جهة، ومناوشة الرئيس بالتعدي على صلاحياته من جهة أخرى.

وكثيرا ما ناورت حركة النهضة شركاءها لتصدير أزمتها البرلمانية، الناجمة عن إحراج المعارضة المتواصل لها ولرئيسها راشد الغنوشي، نحو الحكومة في محاولة لبسط نفوذها على مكونات التحالف بهدف توجيهه وفقا للأجندات التي تخدم مصالحها، وهو ما ظهر جليا في الفترة الأخيرة من خلال تصاعد وتيرة خلافاتها مع كل من التيار الديمقراطي وحركة الشعب على خلفية تصويت نوابهما لصالح عزل راشد الغنوشي من رئاسة البرلمان.

وأكّد مصطفى بن أحمد، القيادي بحزب تحيا تونس، أن “مستقبل الحكومة مرتبط بنتيجة التحقيقات في تهم شبهة تضارب المصالح المتعلقة بالفخفاخ”.

وأضاف بن أحمد لـ”العرب” أن “الأسلوب الذي تعتمده النهضة لا يمكن أن يشوش على الحكومة، وهي تناور لإبعاد الأنظار عن مشاكلها الداخلية وتراجع وزنها السياسي”.

مصطفى بن أحمد: مستقبل الحكومة مرتبط بالتحقيق المتعلق بالفخفاخ
مصطفى بن أحمد: مستقبل الحكومة مرتبط بالتحقيق المتعلق بالفخفاخ

ويبدو أن النهضة لن تنسى صنيع الحلفاء الأعداء حيث تستشعر خطورة الوضع من حولها وتتجه نحو سحب الثقة من الفخفاخ، في خطوة استباقية للهروب من مأزق العزلة السياسية والنجاة من تداعيات سقوط سقف الحكومة الذي بدا أقرب إلى الانهيار منه إلى الترميم والتماسك.

وهدّد موقف التيار الديمقراطي الشريك في الحكم والداعم للائحة عبير موسي بتصنيف الإخوان المسلمين تنظيما إرهابيا بانفجار التحالف الحاكم الذي يعاني من مخلفات أزمة “تضارب المصالح” التي ارتبطت بالفخفاخ، فضلا عن صراع الصلاحيات بين الرئيس سعيد والغنوشي.

وصوّت التيار الديمقراطي لصالح مرور لائحة تصنيف الإخوان حتى لا يبدو حليفا لهم ويخسر جزءا من شعبيته التي كسبها بفضل شعاراته المعادية لحركة النهضة، فيما خير ممثلو حركة الشعب في مكتب البرلمان الغياب وساهموا بشكل مباشر في إنقاذ حركة النهضة من مساءلة برلمانية كانت ستكشف للتونسيين حقيقة الإسلاميين وارتباطاتهم الخارجية.

ويبدو أن حركة النهضة، وقياداتها، لن تغفر لحركة الشعب والتيار الديمقراطي، مواقفهما كرد فعل سياسي يصل حد الانتقام خاصة أن حركة الشعب صوتت لعزل الغنوشي من رئاسة البرلمان، علاوة على مساهمته في سقوط حكومة الحبيب الجملي التي قدمتها النهضة.

 وفاقم تصويت كتلة حركة الشعب لصالح عزل الغنوشي من رئاسة البرلمان الخلافات مع النهضة، وسط تصريحات ومشاحنات من الطرفين وصلت حد اشتراط النهضة إقصاء حركة الشعب من الائتلاف الحاكم ما أثار حفيظة قياديي الشعب وجعلهم يصرون على البقاء في التحالف.

واعتبر عبدالكريم الهاروني، رئيس مجلس شورى النهضة، “مساندة حركة الشعب للحزب الدستوري الحر غير معقولة”. وقال “من غير المعقول أن تقابل حركة النهضة أناسا معها في الحكم وصوّتوا ضدّها في البرلمان”.

واعتبر المكتب التنفيذي للنهضة أن شبهة تضارب المصالح التي تلاحق الفخفاخ “أضرت بصورة الائتلاف الحكومي عموما، بما يستوجب إعادة تقدير الموقف من الحكومة والائتلاف المكون لها، وعرضه على أنظار مجلس الشورى في دورته القادمة لاتخاذ القرار المناسب”.

يأتي تصعيد النهضة كخطوة أخرى من الحركة لابتزاز الفخفاخ ودفعه إلى مراجعة تحالفاته السياسية، وهو ما يضعف مباشرة "حكومة الرئيس" التي جاءت بعد سقوط حكومة الحبيب الجملي

وتتعلّل الحركة بحالة التفكك التي يعيشها الائتلاف الحكومي ومن “غياب التضامن المطلوب، حيث تعود أسباب الخلافات إلى عوامل أيديولوجية بالأساس وأخرى تتعلق بالتباين حول الرؤية المستقبلية لتونس: كالتحالفات الخارجية للأحزاب مع قوى إقليمية خصوصا في ليبيا التي تشهد صراعا محتدما”.

وتتفاقم مخاوف النهضة بعد نجاح رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي في توحيد شق كبير من القوى المدنية والسياسية المناوئة لتدخل الغنوشي في الملف الليبي ودعمه للمحور التركي القطري، وصوتت لصالحها حركة الشعب وتحيا تونس.

ومن شأن هذا التطور اللافت في تحالف عدة كتل نيابية في مواجهة أجندات رئيس البرلمان أن يؤسس لأرضية سياسية جديدة توسع من دائرة المعارضة بالبرلمان وتضيّق الخناق على الغنوشي وحزبه. وبات من الواضح أن عبير موسي أصبحت الآن البديل الشعبي للإسلاميين من حيث خطابها الفكري والسياسي المناهض لأيديولوجيتهم ومن حيث شعبيتها، ما يجعلها في أيّ انتخابات قادمة رقما صعبا، وهو وضع سيقود إلى تغيير في التوازنات السياسية في المشهد السياسي عموما.

4