النهضة عاجزة عن التحول من جماعة إلى حزب سياسي في تونس

الفشل في تنحية الغنوشي يضع مصداقية مراجعات الحركة على المحك.
الخميس 2021/08/12
الغموض يكتنف مستقبل النهضة

تعرف حركة النهضة الإسلامية في تونس دعوات متزايدة للقيام بمراجعات جذرية لتجاوز المأزق الذي وجدت نفسها فيه، وهو ما يشكل مدعاة للتساؤل عن طبيعة تلك المراجعات خاصة أن العديد من الشخصيات السياسية ترى أن الحركة لم تنجح بعد في التحول من جماعة إلى حزب سياسي، وأن الأمر يتجاوز فكرة تونستها والفصل بين الدعوي والسياسي كما تروج له الحركة.

 تونس - تثير الدعوات المتصاعدة من داخل حركة النهضة الإسلامية في تونس للقيام بمراجعات لتدارك الموقف الصعب الذي تمر به الحركة تساؤلات عن مدى قدرتها على ذلك وأيضا عن طبيعة تلك المراجعات خاصة أن منتقديها والأصوات المعارضة داخلها لا يحصرون مساوئ سياساتها فقط في الفشل في إدارة الشأن العام في البلاد.

وبالرغم من أنها تتخفى وراء شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان والدفاع عن الثورة التي قام بها التونسيون في الرابع عشر من يناير 2011، إلا أن اللافت أن النهضة التي تأسست قبل 40 عاما لم تتخلص بعد من فكر الجماعة فهي تُقدم وفقا لمنتقديها مصالحها ومصالح أعضائها الضيقة على مصالح المجتمع، وهو ما جعلها منبوذةً في نهاية المطاف.

وحاولت الحركة الترويج منذ سنوات لقيامها بمراجعات بدت وكأنها استرضاء للخصوم وللخارج وليست نابعة من إرادة حقيقية لتغيير فكر الحركة وإحداث تحول لها من جماعة -تدرجت من العمل السري إلى تولي زمام السلطة- إلى حزب سياسي.

ومؤخرا عادت المطالبات التي تنادي بالقيام بمراجعات جذرية ومعمقة إلى الواجهة بقوة داخل النهضة وذلك بعد أن استشعرت العديد من القيادات خطر تفكك الحركة وفقدانها مكانها في المشهد السياسي، لاسيما بعد الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيد والتي تم بموجبها تجميد كافة أعمال واختصاصات البرلمان وإقالة الحكومة برئاسة هشام المشيشي الذي يعد حليفا قويا للنهضة.

محمد الحبيب الأسود: النهضة تعيش في كوكب الجماعة، لا صلة لها بتونس وشعبها

ورغم أن دائرة رفض الغنوشي اتسعت وشملت قيادات بارزة إلا أن المناهضين له عجزوا حتى الآن عن الإطاحة به من رئاسة الحركة، وهو ما يثير تساؤلات عن مرد ذلك؛ ففيما يربط البعض ذلك بوجود قيادات أخرى مستفيدة من بقائه لن تسمح برحيله يذهب شق آخر من المراقبين إلى القول إن الغنوشي بات بمثابة الأمير للجماعة غير القادرة على التخلي عنه أو إزاحته.

جماعة وليست حزبا

وضعت الإجراءات التي اتخذها الرئيس قيس سعيد قبل أسبوعين حركة النهضة في عين العاصفة، ليس فقط لأنها أبعدتها عن دوائر الحكم بل أيضا باعتبار أنها لفتت الأنظار إلى أن الحركة تهاوت شعبيا.

ففي الخامس والعشرين من يوليو حُرقت العديد من مقرات الحركة في الكثير من الجهات التونسية على يد مواطنين غاضبين من تردي الأوضاع في البلاد وحمّلوا النهضة مسؤولية ذلك.

وترى شخصيات سياسية أن الحركة لم تنجح في التحول من جماعة -تنشط سريا للإطاحة بالنظام الحاكم والوصول إلى السلطة- إلى حزب حيث لا تزال متشبثة بفكر الجماعة الذي لا يضع في الحسبان إلا مصلحتها ومصلحة قياداتها وليس مصلحة المجتمع.

واعتبر القيادي السابق في الحركة محمد الحبيب الأسود أن “النهضة وقياديّيها يعيشون في كوكب الجماعة، ولا صلة لهم بتونس وشعبها”.

وأضاف الأسود أن “كل تصريحات ومواقف قادة النهضة بعد الخامس والعشرين من جويلية (يوليو) تكشف بوضوح جهلهم بالسياسة وخبْطهم فيها خبط عشواء، وقد برز ذلك حين ظنوا أن لن يقدر عليهم أحد، بعد أن تغلغلوا في مفاصل الدولة، وضمنوا القضاء وطوّعوا أجهزة الأمن لصالح المنظومة، وحين تعاموا عن رؤية الجماهير وهي تهتف بسقوط راشد الغنوشي وزمرته… وحين أكلت نيران الغضب مقراتهم الحزبية”.

وأردف أنهم “لم يستوعبوا الدرس… فالجماهير الشعبية لا تمارس المعارضة في صالونات النزل الفخمة، ولا في الأستوديوهات المكيفة، إنما تمارس حقها الشرعي والمشروع في الشارع لخلع الظالم، وخلع من أفسدوا وأساءوا لتونس الوطن أرضا وشعبا وسيادة وثروات، إنهم (قادة النهضة) في جهلهم ينعمون”.

مرشد الجماعة

Thumbnail

بالرغم من أنها تقول إنها قامت بمراجعات حقيقية كي تتكيف مع الوضع في تونس إلا أن العديد من الأعضاء السابقين والحاليين المناهضين للقيادة الحالية للنهضة يشككون في ذلك، معتبرين أن تلك الإعلانات كانت تحت ضغوط الداخل وإكراهات الخارج.

وقال القيادي السابق في الحركة أحمد عبدالنبي “في تجربة الحركة تطور خطابها المبشر بالديمقراطية، لكنه كان بضاعة للخارج، أما داخلها فكان الخطاب السائد الخطاب التقليدي السلفي الإخواني وكل ما يساعد على تأبيد الوضع”.

وفي مواجهة الأزمة التي وجدت النهضة نفسها فيها يحمّل العديد من القياديّين رئيس الحزب راشد الغنوشي -الذي يرأس أيضاً البرلمان المُجمدة أعماله- مسؤولية ذلك، لكن هؤلاء يعجزون عن الإطاحة بالغنوشي.

وفي وقت سابق شهد اجتماع لمجلس شورى الحركة خلافات حادة بين الداعين إلى تنحي القيادة الحالية برئاسة الغنوشي والمؤيدين لاستمراريته في رئاسة النهضة دون أن يُحسم ذلك.

ويرى مراقبون أن الغنوشي (80 عاما) يعتبر بمثابة أمير الجماعة أو مرشدها الذي لا يمكن تجاوزه بسهولة رغم العزلة الخارجية المتفاقمة التي بات يعيش تحت وطأتها.

باسل الترجمان: راشد الغنوشي يمثل مرشد جماعة الإخوان في تونس

وقال المحلل السياسي باسل الترجمان إن “الغنوشي يمثل مرشد جماعة الإخوان في تونس، لقد عاد إلى دوره الحقيقي والمعتاد، ولم يعد مجرد رئيس للحزب خاصة بعد الإجراءات التي اتخذها الرئيس قيس سعيد”.

وشدد الترجمان في تصريح لـ”العرب” على أن “الغنوشي الذي يقود النهضة منذ 50 سنة تقريبا يواصل ربح الوقت في علاقة بالمؤتمر الحادي عشر للحركة من أجل مواصلة تزعمها، وبذلك عاد الغنوشي إلى منصبه الحقيقي وهو مرشد جماعة الإخوان”.

والخلافات داخل حركة النهضة ليست وليدة اللحظة؛ فهي تعيش منذ أكثر من سنة على وقع تخبط داخلي بسبب تأجيل المؤتمر الحادي عشر الذي تقول قيادة الحركة إنه تم بسبب الوضع الصحي الحرج الذي تعرفه تونس، لكن هناك من يعتبر أن ذلك مبرر لضمان استمرارية الغنوشي في رئاسة الحزب.

ولا يتيح نظام الحركة الداخلي للغنوشي الترشح مرة أخرى لرئاستها، لكنه يسعى للتمديد له وهو ما فجر انقسامات حادة أفضت إلى بروز ما عُرف إعلاميا بمجموعة المئة المناهضة له.

مراجعات فردية

شهدت النهضة نزيف استقالات في وقت سابق حيث انسحبت منها قيادات بارزة من بينها مؤسسون على غرار عبدالفتاح مورو وعبدالحميد الجلاصي ولطفي زيتون وغيرهم.

لكن هذه الاستقالات والحراك الذي يقوده المناهضون للغنوشي لم ينجحا إلى حد الآن في إسقاطه، ما يشكل مدعاة للتساؤل عن الأسباب الكامنة وراء ذلك وهو ما يفسره البعض بأن قيادة الحركة يؤمنون بطاعة زعيمهم رغم معارضة بعض خياراته.

وقال الباحث والأكاديمي نادر الحمامي إن “من بين الأركان الأساسية للنهضة شأنها شأن العديد من حركات الإسلام السياسي هي طاعة الزعيم (الغنوشي)، وهي خاصية تشترك فيها الحركة مع كل الجماعات المغلقة فكريا”.

نادر الحمامي: من شبه المستحيل أن تقوم النهضة باعتبارها جماعة بمراجعات

وكان الغنوشي قد صرح في أكثر من مناسبة بأنه يحترم النظام الداخلي ولن يترشح لرئاسة الحزب لدورة أخرى. وقال الأربعاء في حوار مع وكالة الأناضول التركية “في جميع الأحوال سيكون مؤتمر الحزب قبل نهاية السنة كما قرّر ذلك مجلس الشورى، وكما أعلنت سابقا سأحترم النظام الداخلي للحزب والذي حدد الرئاسة بدورتين تنتهيان في المؤتمر”.

ورغم الانقسامات التي طفت مؤخرا على السطح أكثر من أي وقت مضى داخل حركة النهضة تبدو المطالبات التي تنادي بالقيام بمراجعات وكأنها غير مُجدية، وفقا لمراقبين.

ويقول هؤلاء المراقبون إنه من الصعب أن تقوم الحركات المنبثقة عن تيار الإسلام السياسي بمراجعات جماعية بل تبقى هناك محاولات فردية لا تنجح في فرض رؤيتها لتصور الجماعة.

ورأى الباحث والأكاديمي التونسي نادر الحمامي أن “من شبه المستحيل أن تقوم الحركات المنتمية إلى الإسلام السياسي باعتبارها جماعات بمراجعات، المراجعات عبر التاريخ داخل مثل هذه الجماعات -وهي جماعات مغلقة- تكون على مستوى الأفراد لكن على مستوى الجماعة فإن هذا الأمر لا يمكن أن يحدث”.

وتابع الحمامي، في تصريح لـ”العرب”، “لكن ما هي طبيعة هذه المراجعات التي يتحدثون عنها؟ هذا السؤال الأهم في اعتقادي، لأن المسألة ليست مرتبطة بالمستوى التنظيمي والسياسي فقط بل أيضا بتدني الفكر الديمقراطي القائم على الحريات الفردية والجماعية وقيمة الفرد لدى مثل هذه الجماعات”.

وأردف أن “وجود العديد من المؤسسات داخل النهضة مثل مجلس الشورى وغيره يؤكد أن الحركة تفتقر للإيمان بفكر ديمقراطي، فهي تؤمن بالهويات المغلقة ولا تؤمن بالحريات الفردية والجماعية”.

الغنوشي يواجه معارضة داخلية وحراكا لم ينجح إلى حد الآن في إسقاطه، ما يشكل مدعاة للتساؤل عن الأسباب الكامنة وراء ذلك، وهو ما يفسره البعض بأن قادة الحركة يؤمنون بطاعة زعيمهم
الغنوشي يواجه معارضة داخلية وحراكا لم ينجح إلى حد الآن في إسقاطه، ما يشكل مدعاة للتساؤل عن الأسباب الكامنة وراء ذلك، وهو ما يفسره البعض بأن قادة الحركة يؤمنون بطاعة زعيمهم

 

13