النهضة لسعيّد والفخفاخ: أنا أو لا أحد

لا تزال النهضة قادرة على إرباك الفخفاخ وشركائها في التحالف الحكومي، لكن المعضلة الأكبر أمامها هو الرئيس سعيد، الذي رغم محدودية تجربته السياسية، فقد بدا أكثر قدرة على إحراجها من خلال اللعب على ورقة القانون.
الخميس 2020/05/14
إزعاج النهضة وإرباكها

بات واضحا أن التحالف الحكومي في تونس تحت رحمة حركة النهضة، وهي تضع مسار الحكومة ورقة ضغط تلاعب بها رئيس الحكومة ومن ورائه الرئيس قيس سعيد. ليس المهم عند النهضة وعود الحكومة وبرامجها وترقب الشارع في لحظة صعبة على مستقبل البلاد بسبب نتائج وباء كورونا، لكن المهم هو بناء معادلة في الحكم تجعلها هي المحور الذي يدور حوله الجميع.

وكان الرئيس قيس سعيد آخر الذين أخرجهم هذا الأسلوب عن هدوئهم من خلال تصريحات قوية لوح فيها بدفع الشارع (أو على الأقل أنصاره وعددهم يتجاوز ثلاثة ملايين ناخب) إلى سحب وكالته للبرلمان، في حركة رمزية لإظهار أن النهضة، القوة الأولى في البرلمان والمتحكمة في مساره ونقاشاته ولجانه ومشاريع قوانينه، لا تمتلك شعبية ولا تصمد أمام حماس الناس لأفكاره وبرامجه الهادفة إلى إحداث تغيير شامل يبدأ من الأسفل، من الشعب، من الأحياء المهمشة والقرى الفقيرة، ليؤسس حكما شعبيا بديلا للنظام البرلماني الهجين.

ورغم أن سحب الوكالة الذي يدافع عنه، سيف ذو حدين، قد يطوله هو أيضا، لكن الهدف منه تذكير الأحزاب بصغيرها وكبيرها أن شعبيتها محدودة، وأن الشرعية لا تكمن في الصعود إلى البرلمان وبناء شبكة مصالح مع رجال الأعمال وتحصيل المكاسب دون وجه حق، وإنما مشروعيتها في خدمة الناس والالتصاق بهم، وتقديم صورة جيدة عن البرلمان كسلطة تشريعية، بدل “البؤس” الذي يراه الناس حاليا من صراعات وخطاب بمفردات لا تليق بالانتقال السياسي.

وكان واضحا إشارة سعيد إلى تعديل الفصل 45 من القانون المسير للمجلس، والذي أقر بمنع السياحة الحزبية، وإجبار أي نائب يستقيل من كتلته ألا ينتمي إلى كتلة أخرى. والهدف من هذا التعديل في الوقت الراهن كان الحفاظ على الكتل الداعمة للنهضة قوية ومتماسكة لتستطيع منع أي تعديلات أو تغييرات تكون خادمة للحكومة أو لخيارات سعيّد من الحصول على موافقة النهضة قبل التفاوض معها وتحقيق مطالبها سواء من فوق الطاولة أو تحتها.

قد يكون التعديل قد أسعد حزب نبيل القروي “قلب تونس” لأنه سيفرض على من انشقوا عليه أن يعودوا إلى بيت الطاعة أو أن الحزب سيعوضهم بمن يلي كل واحد منهم وفق نتائج الانتخابات الماضية، لكن الأهم في الخطة هو الحفاظ على الحزام البرلماني للنهضة، وبعضه جزء من الحزام الحكومي، وأغلبه خارج داعمي الحكومة.

وتقول تسريبات إن الخطوة قطعت الطريق على مساع لرئيس الحكومة إلياس الفخفاخ لبناء نواة برلمانية داعمة له من خلال الحوار مع الكتلة المستقيلة من “قلب تونس”، وأن الرجل كان ينوي إعادة تجربة سلفه يوسف الشاهد في تكوين حزب الحكومة والاستفادة من السياحة الحزبية ومن “حكومة الرئيس” لوضع لبنات مساره الجديد من خلال هيكل حزبي يعيد الحياة إلى حزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات الذي كان ينتمي إليه سابقا في ثوب جديد.

وكشفت تصريحات لقياديين من” قلب تونس”، وبينهم أسمة الخليفي وعياض اللومي أن النهضة نجحت في جعل الكتلة الثانية في البرلمان واجهة في معاركها مع الرئيس سعيّد ومع الفخفاخ ومع شركاء التحالف الحكومي، وخاصة حركة الشعب والتيار الديمقراطي، فيما نجح “تحيا تونس” في الاختفاء وإشعال النار عن بعد بين الفرقاء الأيديولوجيين والاستفادة منها.

ويضاف إلى “قلب تونس” ائتلاف الكرامة الذي هو واجهة متقدمة للنهضة في استهداف خصومها في كل اتجاه، وخاصة قيس سعيد وعبير موسي.

ويمكن أن تتسع قائمة أوراق النهضة لتشمل بعض المستقلين صلب قائمات ائتلاف يجمع بينها الخوف على البرلمان والسعي في البقاء فيه بكل ثمن، وهو ما يجعل أي مناورة من رئاسة الجمهورية لحل البرلمان عبر مبادرة برلمانية أمرا مستحيلا، خاصة أن هذه الفرضية قد تقود نوابا من داعمي “حكومة الرئيس” إلى معارضة خطوة حل البرلمان لاعتبارات تتعلق بالمزايا الشخصية.

ويقول المتابعون للشأن التونسي إن الحكومة تعيش وضعا صعبا وهي تحتاج إلى تضامن أكبر خاصة من الحزب الأكثر تمثيلية في البرلمان والذي يمتلك أكثر حقائب سواء باسمه كحزب أو كمستقلين محسوبين عليه، لكن الذي يحصل أن النهضة تعامل بقية الشركاء على أنهم فريق هامشي، وأنها الأولى بالقيادة والتعيينات، وهو الأمر الذي بات مقلقا لحلفائها الذين باتوا منزعجين من تطويق رئيس الحكومة بالشروط والمستشارين، وبالمقابل فهي تذكر الفخفاخ بأنها ليست راضية عن الحكومة وأنها دخلت إلى التحالف المحيط به لمنع الفراغ السياسي الذي كان يتهدد أمن البلاد، والنتيجة أنها ساق معه وساق أخرى مع معارضيه، والأكثر إثارة للاستغراب أنها باتت تقود المعارضة.

ومنذ يومين أعلنت كتلة حركة النهضة في البرلمان أنها تعارض قرار الحكومة زيادة الرسوم على الوثائق الرسمية الموظفة على التونسيين في الخارج. وفي المناطق الداخلية بات ممثلو الحركة يطلقون تصريحات ناقدة لقرارات الحكومة في حملة مبكرة قد يكون هدفها التمهيد لتوسيع تركيبة الحكومة وإلحاق حزب “قلب تونس” بالحزام السياسي، أو مستقلين محسوبين على “الدساترة” ممن تجهزهم حركة النهضة ليقفوا بوجه عبير موسي ومنافستها على القاعدة الانتخابية للحزب الحاكم ما قبل الثورة.

وتستفيد حركة النهضة من خطتها في جر التحالف الحكومي إلى مربع التوتر الحزبي تمهيدا إلى فض الشراكة أو فرض شروطها للتوسيع من تشنج حركة الشعب وقيادييها، وهي حركة حديثة عهد بالمشاركة في الحكم، ولم يتعود أنصارها بعد على الشراكة مع خصم تاريخي.

وإن كان التيار الديمقراطي الأكثر هدوءا والأقل تصريحات وتسجيل للنقاط على الشركاء في الحكم، فربما يعود الأمر إلى أنه الحزب الذي يراهن عليه رئيس الحكومة، والذي يفكر له، ويضع أمامه خيارات الحرب على الفساد التي ستكون اختبارا حاسما لأمينه العام محمد عبو، وزوجته سامية عبو التي ضاعفت شعبيتها من خلال الهجوم على أصحاب ملفات الفساد وانتقاد أداء التحالف الحاكم السابق (النهضة ونداء تونس) في معركة الفساد.

وإلى حد الآن، لا تزال النهضة قادرة على إرباك الفخفاخ وشركائها في التحالف الحكومي، لكن المعضلة الأكبر أمامها هو الرئيس سعيد، الذي ورغم محدودية تجربته السياسية، فقد بدا أكثر قدرة على إحراجها من خلال اللعب على ورقة القانون، وخاصة على شعبيته الكبيرة، وهي تحاول ألا تنجر إلى ساحة المواجهة معه خاصة أنه بات يستهدفها بشكل أو بآخر في خطاباته التي باتت كثيرة ومتعددة، وهو ما يدفع الذباب الإلكتروني للحركة وبعض قيادات الدرجة الثانية إلى مهاجمته بشكل مباشر.

وبات واضحا أن قيس سعيد يختلف في التعامل مع حركة النهضة عن الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، فالرجل يبحث عن مجد شخصي ويحمل مشروعا يريد أن يمهد له مستفيدا من يأس الشارع من الطبقة السياسية، وعلى رأسها حركة النهضة، ويتساوى عنده التكتيكي مع المبدئي، وهو ما يزعج الحركة ذات الخلفية الإخوانية، التي كانت تراهن حين دعمته في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية، على أنه سيكون واجهة تشتغل من ورائها بهدوء وبعيدا عن الأضواء لتنفيذ أجنداتها.

8