النهضة والاستثمار في "خطاب التناقض"

النهضة تدرك أن نصف الحملة الدعائية للاستحقاق البلدي سيؤمنه خصومها الذين لن يترددوا في تحويلها إلى محور خطابهم السياسي، فيما سينصب النصف الثاني من الحملة في ترسيخ صورة "الضحية" واستحضار سرديات المظلومية.
الأربعاء 2018/03/07
لا شرعية في تونس لخطاب "التصويت الناجع" الذي يستند في جوهره إلى مقولة التناقض مع النهضة

تستثمر حركة النهضة التونسية من خطاب العدوانية والتناقض والتضاد معها، أكثر من استفادتها من خطاب التوافق والتقاطع مع خياراتها. لا فقط لأنّ خطاب الشيطنة يسيء لصاحبه ويجعله منقادا إلى مبدأ “التناقض المبدئيّ” -وهي مسلكية غير منسجمة بشكل تام مع مقتضيات العمل السياسي- وإنما أيضا لأن خطاب التجاذب مع النهضة يجعلها في قطب أي سجال سياسي وفي قلب الصراع الحزبي القائم والقادم أيضا.
وطالما أن عنوان النهضة صار لصيقة في الخطاب السياسي المستعر حاليا على وقع التحضير للانتخابات البلدية التونسية، فإن الحركة تضمن لنفسها عبر حصاد ألسنة غيرها موقعا متقدما وفاعلا في الفضاء البلدي القادم، حيث أن أعداءها الاستراتيجيين والوقتيين يجعلون من منطوق ومنطق الخطاب الانتخابي دائرا حول “النهضة وخصومها”، لا حول مجمل الفاعلين السياسيين والحزبيين الذين يدخلون اليوم المعترك البلدي.
المفارقة أن ذات الخطاب السياسي الفقير الذي أوصل النهضة إلى مقدمة الأحزاب في الانتخابات البرلمانية وصيرها بيضة القبان في الانتخابات الرئاسية، يجتر من ذات الأحزاب السياسية، من خلال دعوة المقترعين إلى “التصويت الناجع” في الاستحقاق البلدي.
وهي دعوة هجينة في سياق سياسي أكثر هجانة، لا فقط لأن صاحبها يستبطن حالة إفلاس اتصالي دعائي لإقناع المصوتين لانتخابه دون توسل بأدوات التنميط والشيطنة، ولكن وهو الأغرب لأن أصحاب هذه الدعوات وخاصة منهم من حزب نداء تونس يقفزون فوق حقائق الماضي القريب حيث تحالف محامو الشياطين وتعانق ألدّاء الحملة الانتخابية عند تقاسم المغانم السياسية.
لا شرعية اليوم في تونس لخطاب “التصويت الناجع” الذي يستند في جوهره إلى مقولة التناقض مع النهضة، ليس لأن النهضة بريئة من فواجع الترويكا وكوارث الارتهان على الفاعلين الإقليميين ولوثة الرقص مع الذئاب السلفية والجهادية، بل لأن جل من يستخدمه اليوم لن يستنكف غدا في التحالف العضوي والاستراتيجي معها، وأيضا لأنّ غالبية من ينددون اليوم بالمشروع الإخواني للنهضة -وهم محقون في ذلك- تكالبوا للتحالف معها بعد انتخابات العام 2014، ولولا بعض الإشكاليات الخاصة بحزب نداء تونس لبقي هؤلاء متصدرين لمشهدية التقارب ومنظرين لمقولة التقاطع المرحلي معها.
تدرك حركة النهضة أن نصف الحملة الدعائية للاستحقاق البلدي القادم سيؤمنه خصومها الذين لن يترددوا لحظة واحدة في تحويلها إلى محور خطابهم السياسي، وسيعملون على تحضيرها في كل صغيرة وكبيرة، فيما سينصب النصف الثاني من الحملة الانتخابية على ترسيخ صورة “الضحيـة”، واستحضار سـرديات “المظلـومية التاريخية” من زمن الدولة إلى زمن الثورة.
جرد أولي لعدد القائمات المشاركة في الدوائر البلدية يؤكد أن المشهد البلدي لن يتغير كثيرا عـن المشهد البـرلماني اليوم، حيث تترسخ النهضة والنداء كقوتين فاعلتين في الحكم والحكومة (350 قائمة لكلا الحزبين)، فيما يزداد حضور الجبهة الشعبية كقوة أولى للمعارضة السياسية بـ132 قائمة انتخابية، دون كبير اعتبار لباقي الأحزاب والتكتلات التي لم تتجاوز سقف الـ85 قائمة.
هكذا تبدو جغرافية وتضاريس المشهد السياسي في تونس، ولا يبدو أن الوضع سيتغير كثيرا في ظل الجزر الحزبية والأرخبيلات الائتلافية التي لم تفرض نفسها كرقم صعب وحقيقي ومؤثر في المعادلة التونسية.
والحقيقة التي على الأحزاب السياسية المعارضة أن تستبطنها وتستجليها بالعمق الكافي كامنة في أن التعويل على خطاب شيطنة الخصوم وتصيد الأخطاء والمزايدة في القضايا الكبرى، لن يغيّر شيئا في معادلة التصويت ولن يحدث توازنا في المشهدية السياسية، ما لم تركز هذه الأحزاب على صناعة الحلول وتقديم البدائل والمشاريع وانتهاج مقاربة القرب من المواطن والنأي عن مسلكية اعتباره رقما وصوتا ضمن مكاسرة الانتخابات.
تعوّل النهضة على ثلاثة أشياء. حضورها الحزبي في كافة الدوائر الانتخابية، والتصويت الأيديولوجي لعدد كبير من مؤيديها، وخطاب التناقض والتضاد الذي سيزيد من شعبيتها ويحولها بقدرة قادر من متهمة بالتقصير والقصور في إدارة الملفات إلى ضحية مزايدات أيديولوجية ضيقة وابتزاز من ذات الوجوه الذين تحالفوا معها سابقا.
تونس في حاجة إلى بديل، وإلى صناعة البديل لا إلى “لعنة” الظلام والظالمين.

9