النهم الاستهلاكي للأسر العربية يحرم الأجيال من تعلّم الادّخار

مهارات الإنفاق والتوفير يتعلّمها الأطفال من طريقة إدارة الأسرة لمواردها المالية.
الأحد 2020/11/15
الادّخار في الصغر نجاح في الكبر

تواجه نسبة كبيرة من الأسر العربية ضائقات مالية بالجملة، وتحولت الحياة بالنسبة إلى البعض منها إلى حالة من الصراع المالي اليومي بين ميزانية محدودة من جهة ومصاريف لا تنتهي، ما حرم الأجيال من تعلم مهارات الادخار لمواجهة الأزمات الطارئة وضمان حياة مقبولة لهم مستقبلا.

أصبحت مسألة الادخار وتوفير مبالغ مالية تحسبا للأزمات والمشاكل المستقبلية، تأتي في ذيل قائمة الأولويات بالنسبة إلى شريحة هامة من الأسر العربية، على عكس أمور أخرى، مثل دفع إيجار المسكن وسداد فواتير الكهرباء والماء وتكاليف المعيشة، التي تتجاوز في بعض الأحيان مصدر دخلها الثابت.

وفي ظل تعمق الأزمات المالية بسبب جائحة كورونا وفقدان الكثيرين لوظائفهم وتواتر المواسم الاستهلاكیة، أضحت عملية الادخار أكثر صعوبة من أي وقت مضى، لاسيما بالنسبة إلى الأُسر ذات الدخل المتوسط.

وترسخت قيم الادخار في المجتمعات العربية على مدى عقود طويلة، وذلك عبر حرص الأسر على ترشيد العادات الاستهلاكية تماشيا مع الظروف الاقتصادية المتغيرة ومحاولة أفراد هذه الأسر إيجاد وسائل لتعزيز خُلُق القناعة في حياتهم ومعيشتهم.

واستعادت سيدة سبعينية سعودية تدعى مبروكة الكثير من الأقوال والحكم المليئة بالنصائح والعبر في فن إدارة الأموال والتوفير وعدم التبذير، ومنها “الادخار في الصغر نجاح في الكبر” و”إذا كنت تشتري ما لا تحتاجه، فسيأتي عليك الوقت الذي تضطر فيه لبيع ما تحتاجه” و “السلف تلف والرد خسارة”، مشددة على أن الأسر في الماضي كانت قادرة -وبقدر ضئيل من المال- على أن تصنع فارقا كبيرا في أسلوب حياة أفرادها، وتساعدهم على المضي إلى ما هو أبعد من الاحتياجات الأساسية.

وقالت مبروكة لـ”لعرب” “الأسر في الماضي كانت قادرة على التكيف مع أقسى الشدائد والمحافظة على المرح، لكن الناس اليوم لديهم كل شيء ومع ذلك فهم تعساء”.

وأضافت “للأسف مشكلة الناس اليوم أنهم يطمحون إلى امتلاك كل شيء وتكاد تغيب عنهم قيم التكافل والترابط ، وسيطرت عليهم الأنانية والنرجسية وأصبح التهافت والتبذير والاستهلاك المفرط قاعدةً جديدةً تقيس عليها معظم الأسر مدى سعادتها”.

وضاح الطه:  لا بد من إدراج منهج لتدريس الأطفال ثقافة التوفير والقواعد المالية، ضمن قائمة المناهج الدراسية الأخرى الادّخار في الصغر نجاح في الكبر
وضاح الطه: لا بد من إدراج منهج لتدريس الأطفال ثقافة التوفير والقواعد المالية، ضمن قائمة المناهج الدراسية الأخرى

وتبلغ نسبة الادخار لدى الأسر السعودية حوالي 1.6 في المئة من الدخل السنوي، وهي نسبة منخفضة مقارنة بنسب الادخار المرتفعة في ألمانيا (11 في المئة) وفي الصين (36 في المئة).

 وأرجعت المستشارة النفسية السعودية نوف شفلوت ضعف الادخار لدى الأسر السعودية إلى القرارات الخاطئة التي تتخذها على صعيد المصاريف والإنفاق أكثر من دخلها، مشددة على أن معظم القرارات الشرائية غير عقلانية، وتقود أصحابها إلى الضائقات المالية والتداين.

وقالت شفلوت لـ”العرب” “الكثير من الأسر لديها مفهوم خاطئ عن الادخار وطرق إدارة مداخيلها المالية، إذ غالبا ما تقْدم على شراء أشياء لا تحتاج إليها وتلبي كل كبيرة وصغيرة يطلبها الأطفال”، مشددة على أهمية ترتيب أولويات الإنفاق بين الزوجين، حتى لا تتراكم الديون بسبب سوء إدارة ميزانية الأسرة.

وأضافت “يحتاج الأمر إلى تنظيم جدّي للمداخيل والتسوق بعقلانية وانتباه، وتدريب الأطفال منذ الصغر على الاقتصاد وتخفيض المصروفات والتغاضي عن كل ما هو غير ضروري في الحياة، وبذلك لا يكون الادخار أمرا مستحيلاً ولا تصل الأسرة إلى مرحلة التداين حيث تتكوم المشاكل في حياتها مثل كرة الثلج وتفقد أجواء المرح والسعادة ويصاب أفرادها بالضغط النفسي والحزن والاكتئاب”.

وتابعت “الفكرة عموما تعني العيش بما هو أقل، وكلما كانت الشراءات واعية، انخفضت المصاريف، فالعيش بما هو أقل يحرر الأسرة  من مصاريف مالية يمكنها أن تنفقها في أمور أخرى أكثر أهمية”.

 ودعت شفلوت إلى ضرورة الوعي بأهمية الادخار حاثة الآباء على غرس ثقافة الادخار في نفوس أبنائهم حتى تكون المجتمعات قادرة على مواجهة الأزمات وأكثر استعدادا لتأثيراتها الاجتماعية والاقتصادية.

وأظهرت استطلاعات الرأي والدراسات الإحصائية أن نسبة كبيرة من الأسر العربية تعاني من “وضع مالي حرج”، فيما يضطر البعض منها إلى التداين من الأقارب والأصدقاء أو طلب قروض بنكية، لمجابهة مصاريف الحياة اليومية، ما غيّب ثقافة الادخار تماما، وحرم الأجيال اللاحقة من تعلم مهارات الادخار لمواجهة مصاعب الحياة وترتيب الأولويات في حياتها مثل تلبية الحاجيات الأساسية، ومن ثمة إدراك أهمية المال وكيفية التصرف فيه لضمان حياة مقبولة لهذه الأجيال مستقبلا.

وتشير دراسة أنجزها البنك الدولي في هذا الإطار، إلى أن 75 في المئة من الأسر العربية لا تدخر شيئا من مداخيلها الشهرية، كما أن تسعة من بين عشرة أفراد في المنطقة نفسها لا يعتبرون الادخار من أولوياتهم، وذلك بسبب ارتفاع تكاليف الحياة وتزايد المصاريف اليومية.

وذكر البنك أن 46 في المئة من الأشخاص ما قبل سن التقاعد في جميع الدول العربية لا يدخرون ولا يعتزمون الادخار.

وأشار إلى أنه في اليابان -على سبيل المثال- تبلغ نسبة الادخار السنوي للفرد 35 في المئة، في حين أن النسبة لا تتعدى 15 في المئة للفرد في المنطقة العربية برمتها.

وتبدو مشكلة التداين واللجوء إلى القروض الاستهلاكية لتأمين الحاجيات الأساسية ومواجهة الظروف الاجتماعية الصعبة والارتفاع الكبير في أسعار الأغذية، معضلة مستعصية على الحل في عدة أسر، ولا يبدو أنها في طريقها إلى الزوال، إذ وصل حجم تداین الأسر التونسیة في موفى عام 2019 إلى حدود الـ24 ملیارا و75 ملیون دینار مقابل 23 ملیارا و754 ملیون دینار في السنة المنقضیة، مسجلا ارتفاعا بقیمة 321 ملیون دینار، بعد أن كان لا یتجاوز الـ10 ملیارات دینار في سنة 2010، وفق ما بينته المعطیات الرسمیة للبنك المركزي التونسي.

وفي المغرب كشفت المعطيات الإحصائية أن ثلث الأسر في البلاد استدانت لتغطية نفقاتها الجارية خلال الربع الثالث من عام 2020.

ووفقا لمسح أعدته المندوبية السامية للتخطيط بالمغرب (هيئة مكلفة بالإحصاء)، فإن 60.4 في المئة من الأسر تعتبر أن دخلها يغطي إنفاقها (الدخل يلبي حاجيات الإنفاق) في حين أكدت 35.6 في المئة من العائلات أنها تلجأ إلى الديون من أجل الاستجابة للإنفاق.

وبينت نتائج المسح أن 4.1 في المئة من الأسر فقط تتمكن من ادخار جزء من مداخيلها.

قيم الادخار ترسخت في المجتمعات العربية على مدى عقود طويلة، وذلك عبر حرص الأسر على ترشيد العادات الاستهلاكية تماشيا مع الظروف الاقتصادية المتغيرة

وحسب نتائج المسح، فإن نحو 74.3 في المئة من الأسر المغربية اعتبرت أن الوقت غير مناسب لاقتناء السلع، في حين أن 10.8 في المئة من عائلات المغرب تعتقد العكس.

وقالت 87.1 في المئة من العائلات التي شملها المسح إنها تتوقع ارتفاعا في عدد العاطلين عن العمل خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، مقابل 5.1 في المئة تتوقع عكس ذلك.

وفي الفصل الثالث من سنة 2020 صرحت 12.4 في المئة من الأسر بقدرتها على الادخار خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، في حين تعتقد 87.5 في المئة من العائلات عكس ذلك.

وترى 75.4 في المئة من الأسر أن أسعار المواد الغذائية ارتفعت خلال الأشهر الاثني عشر الأخيرة، بينما تعتبر 0.3 في المئة من العائلات أن هذه الأسعار انخفضت.

وقالت المندوبية إن “68.8 في المئة من الأسر تتوقع استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية في المستقبل في حين 0.7 في المئة تتوقع انخفاضها”.

وتوقعت المندوبية السامية للتخطيط انكماش نمو الاقتصاد المحلي في الربع الرابع من 2020 بنسبة 5.5 في المئة على أساس سنوي، بسبب تداعيات فايروس كورونا.

وعزا الخبراء تراجع ثقافة الادخار إلى التداعيات الاقتصادية للأزمات المالية وغلاء أسعار المواد الغذائية، إضافة إلى النزعة الاستهلاكية للمجتمعات والتي أدت بدورها إلى ارتفاع حجم الديون المصرفية والقروض الاستهلاكية الممنوحة للعائلات.

وشبه وضاح الطه، المحلل المالي العراقي، الأسرة بالمؤسسة المالية التي تحتاج إلى من يدير مواردها ويتدبر شؤونها، ويحدد الحاجيات الضرورية لأفرادها من أجل تجنيبها الأزمات المالية التي قد تعصف بها وتهدد كيانها.

وقال الطه لـ”العرب” “الادخار يجب أن يتحول إلى ثقافة مجتمعية يُدرَّب عليها الأطفال منذ الصغر، بدلا من ثقافة الاستهلاك التي أصبحت طاغية بشكل كبير على سلوكيات الأفراد”.

وأضاف “نمو الاقتصادات في العالم يقوم بالأساس على مستوى الإنفاق، فإنفاق المستهلك على سبيل المثال يمثل جزءا رئيسيا من نمو الناتج المحلي الإجمالي، لذلك فإن سلوك الأفراد مهم في توجيه عملية الإنفاق، فإذا شعر المستهلك بنوع من الخطر المالي أو التأزم الاقتصادي فإن سلوكه يبدأ بالتحفظ والتردد والقلق، ما يدفعه إلى تخفيض الإنفاق”.

ولاحظ الطه أن الحظر الناتج عن جائحة كورونا وإجراءات الإغلاق التي اتخذتها عدة دول لمنع تفشي الوباء قد أديا إلى تخفيض الاستهلاك وزيادة المدخرات، خصوصا في بريطانيا والولايات المتحدة اللتين تراوحت نسب المدخرات الشخصية فيهما بين 33 و36 في المئة حسب الأرقام الرسمية المصرح بها، معتبرا أن ذلك ليس علامة حرص على الادخار بقدر ما هو ناتج عن الشعور بالخطر، وقد يعود الوضع إلى ما هو عليه بعد نهاية الجائحة.

وأكد على أهمية أن يكون الادخار أسلوب حياة  لدى الأسرة التي ينبغي عليها تدريب أبنائها منذ الصغر على توفير المال وتعليمهم كيفية الاستفادة منه والإفادة به، عن طريق التخطيط المالي وتنظيم الإنفاق، وترشيد استهلاك الأسرة وتتبّع سجل مصروفاتها حتى تكون قادرة على توفير المال الكافي للحالات الطارئة والأزمات الصحية غير المتوقعة.

ويعتقد المحلل المالي العراقي أن الأسرة لن تضع خططا كثيرة لتوفير المال ما لم تكتسب عادات جيدة، ومن النقاط التي اقترحها لتعميم ثقافة التوفير داخل الأسر والمجتمعات، ضرورة أن يلعب المجتمع المدني دورا في هذا المجال عبر وضع إستراتيجيات وخطط وومضات توعوية في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي تتيح للناس الخبرة والقدرة على التدبر وحسن التصرف في المال.

ودعا الطه إلى إدراج منهج لتدريس الأطفال ثقافة التوفير والقواعد المالية، ضمن قائمة المناهج الدراسية الأخرى، حتى يتدرب الأطفال على كيفية توفير المال ويكتسبوا منظومة من القيم تساعدهم على  إدارة أموالهم مستقبلا وتنظيم حياتهم.

21