النهم في الشراء معضلة نفسية تخلّف أزمات مالية للأسرة

الشراء اللاعقلاني المصاحب للندم يؤدي إلى تعكير المزاج بين الأزواج.
الأربعاء 2020/09/09
التسوق يشبه عملية البحث عن الكنز

طرق إنفاق المال غالبا ما تكون مصدرا للخلافات والمشاحنات في أيّ علاقة زوجية، فقد يكون بعض الأزواج حريصا على المال فيحاول صرفه بطرق عقلانية، في حين يبالغ شركاء حياتهم في عمليات الشراء. وعندما تكون علاقة كل طرف بالمال شديدة التعارض قد يصعب على الشريكيْن استيعاب سلوكيات بعضهما البعض، ولهذا السبب يشجع الخبراء الأزواج على ضرورة المصارحة بالعادات الشرائية، والاستعداد لحديث منفتح عن المال، وطريقة إنفاقه، وما يعنيه لكل طرف.

تمثل قرارات الشراء الاندفاعية، التي غالبا ما تتخذ لاشعوريا وفي جزء من الثانية، عقبة كبيرة أمام العديد من الأزواج، الذين يفكرون بطرق مختلفة في المال وكيفية صرفه، وقد تنجرّ عن ذلك مشاحنات وأزمات مالية، تدمر علاقاتهم الزوجية وتعصف بالأسرة.

وبالرغم من أن بعض الأزواج لا يعانون من مشكلة الإدمان على الأشياء التي يشترونها لأنفسهم، إلا أن عملية الإسراف في الإنفاق تتحول لديهم مع الوقت إلى عادة يصعب التوقف عنها، بنفس الطريقة التي تجعل من الصعب على البعض التحرر من اضطرابات إدمان الأكل أو الكحول أو المخدرات.

ويعتقد علماء الاجتماع أن الزوجين اللذين يبالغ أحدهما في تكرار شراء أشياء قد لا يتم الاتفاق عليها مسبقا، أو لا تحتاج إليها الأسرة، يواجهان العديد من المشكلات في علاقتهما، وقد يبديان عدم رضاهما عن الزواج بصفة عامة، مقارنة مع الأزواج الذين لديهم اهتمامات مالية مشتركة ومتشابهة.

ويرى خبراء التسوق أن مرافقة الأصدقاء وتقليدهم أثناء عملية التسوق، أو مقابلة زبائن آخرين في المتاجر، أو قراءة آراء مستخدمي الإنترنت حول سلع معينة، جميعها عوامل تعمل على تحفيز الرغبة في اقتناء نفس المنتوج، وتجعل المضي قدما في الشراء أسهل، حتى لو سبق ذلك شعور بالتردد.

فيما أرجع علماء النفس قرارات الشراء الاندفاعية إلى دوافع لا إرادية، تحفز الكثيرين على انتهاج سلوكيات إنفاق المال بسخاء، لاسيما إذا تعددت أمامهم الإغراءات والخيارات.

وأظهرت الأبحاث التي أجريت في هذا الصدد أن سوء إدارة ميزانية الأسرة يؤدي إلى الطلاق؛ سواء كان ذلك بسبب عدم قدرة الزوج، أو الزوجين معا، على الوفاء بمتطلبات الأسرة أو بسبب الاختلاف في المزاج وترتيب أولويات الإنفاق بين الزوجين، أو عندما تتراكم الديون بسبب سوء إدارة ميزانية الأسرة.

مرافقة الأصدقاء وتقليدهم أثناء التسوق يحفزان الرغبة في اقتناء نفس المنتوج، ويجعلان الشراء أسهل حتى لو سبق ذلك شعور بالتردد

وكشفت دراسة حملت عنوان “المال بين الزوجين والتصرف في الدخل الأسري” أن 80 في المئة من الخلافات الزوجية في تونس يدور محورها حول المال. وأرجع 50 في المئة من الأزواج تلك المشكلات إلى ضعف الموارد في حين رأى 25 في المئة أن غياب الحوار بين الشريكين حول ميزانية العائلة هو السبب في خلافاتهما، فيما أرجع 12 في المئة من الأزواج كثرة المناوشات بينهم إلى تفرد أحد الشريكين باتخاذ القرارات الخاصة بالنفقات المالية للأسرة.

وتحدثت زوجة تونسية خيرت عدم كشف هويتها لـ”العرب” عن سلوكها الاندفاعي أمام عملية الشراء والذي يجعلها تشعر بالندم أحيانا لأنها تقتني أشياء ليست بحاجة إليها، كما أنها تسرف كثيرا في تناول الطعام خارج المنزل. ومع أنها لم تُغرق نفسها في الديون بسبب سلوكها الاندفاعي، إلا أن نفقاتها كانت تتجاوز غالبا حدود إمكانياتها، ما يجعلها في موقف محرج أمام زوجها وأطفالها.

وعبرت سيدة أخرى عن إحباطها من كثرة ما كانت تشتريه من سلع، إلى درجة أن زوجها كان يتعمد تعليق فواتير الشراء على باب الثلاجة، ليذكرها بالأشياء التي اشترتها ولم تستخدمها، حتى يساعدها على تقليل مصاريفها. ولا يختلف الوضع كثيرا في مصر، فقد بينت دراسة أعدها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أن 45 في المئة من حالات الطلاق ناتجة عن الخلافات بسبب المال ومصاريف الإنفاق على الأسرة.

ويعتبر المال من أهم أسباب الخلافات الزوجية في العديد من الدول الأخرى حول العالم، إذ تقود المشاكل المتعلقة بالموارد المالية داخل الأسر في أغلب الحالات إلى الانفصال.

وتوجد قصص مشابهة للكثير من الأزواج في المجتمعات الغربية عن إنفاق شركاء حياتهم غير الواعي للمال على أشياء يكون مصيرها سلال المهملات، لكنها ترهق ميزانيتهم الأسرية.

وأجرى بنك مونتريال استطلاعا للرأي عام 2012 أظهر أن الكنديين يصرفون، في المتوسط، 3.720 دولار كندي (2.987 دولار أميركي) كل عام لإشباع رغبتهم الشرائية المندفعة.

ويفسر هذا الأمر إيان زيمرمان، الباحث في علم النفس بجامعة “مينيسوتا دولوث” في الولايات المتحدة، بقوله إن “المتعة التي نشعر بها، بفعل فكرة اقتناء منتج رأيناه ونحن نتفرج على بضائع مختلفة، يمكن أن تجعلنا أكثر اندفاعا في اتخاذ قرار الشراء، لأن الاستجابة العاطفية والشعورية في هذا الصدد، يمكن أن تعوق قدرتنا على التفكير العقلاني”.

Thumbnail

وهناك سبب آخر يدفع إلى شراء الأشياء، وهو أن ذلك يجعل البعض من الأشخاص الذين يعانون من مشاكل معينة يشعرون بأنهم أفضل حالا. ويرى سكوت ريك، الأستاذ في التسويق بجامعة ميتشيغان الأميركية، أن فكرة العلاج بالتسوق أمر حقيقي؛ فبالنسبة إلى بعض الناس إذا انتابهم الحزن، فإن التسوق سيجعلهم أكثر سعادة لأنهم يسترجعون بذلك الشعور بالسيطرة على حياتهم.

ويقول ريك “تلك هي عادةً الخيارات التي ترسم معالم رحلة تسوّق ما، لذا يمكن للعلاج بالتسوق أن يفيد بأشكال معينة. فنحن نحصل على متعة ما من عملية الاستهلاك، ويشير بحثي إلى إمكانية الاستفادة منها بالفعل”.

ومن الطبيعي أن هذا النوع من “العلاج” قد يكلف أكثر بكثير من أنواع أخرى من أنشطة إعادة السيطرة على الذات. ويرى ريك أن أنشطة من قبيل إعادة ترتيب مكتبة المنزل أو فرز الملابس للتبرع ببعضها إلى جمعية خيرية يمكنها أيضاً أن تجعل بعض الأشخاص يشعرون بمتعة في حياتهم.

وتقول عالمة النفس الأميركية جوردانا جاكوبس “يفرز الدماغ كمية كبيرة من الدوبامين عندما نتسوق ويتسلل إلينا على الفور شعور جميل”. وتضيف جاكوبس”يلجأ كثيرون إلى التسوق بهدف صرف أذهانهم عن الشعور بالبؤس وعدم الراحة، لكن بعدما ننتهي من عملية الشراء فإن الأمر يتحول إلى سبب للإزعاج والمعاناة”.

ويبدو أن الندم الذي يشعر به الكثيرون لخسارة أموالهم في شراء منتجات لا يحتاجونها يمكن أن يجنبهم الإسراف في الإنفاق، إلا أنه سيحرمهم مما يطلق عليه الخبراء “الضريبة الأخلاقية للإنفاق”، أي وخز الضمير الذي يشعرون به عند إنفاق أموالهم.

ويشجع الخبراء الأزواج على ضرورة المصارحة بالعادات الشرائية، لكن الأهم من ذلك الدفع نقدا قدر الإمكان عند الشراء: فتبادل النقود أمر مؤلم أكثر من استخدام البطاقات، ويُشعر الناس أن الفاتورة أكثر من مجرد أرقام على الشاشة. ومع ذلك تبقى عملية الشراء قرارا شخصيا، فلا توجد شركات تدفع المستهلكين دفعًا ضد إرادتهم لشراء منتجاتها.

21