النهوض بالواقع التنموي العربي رهان للتغلب على الوضع الإقليمي المضطرب

تقوم العلاقة التي تربط الاقتصاد بمختلف المجالات الأخرى سواء السياسية أو الاجتماعية على التأثر والتأثير. ووفقا لقوانين هذه العلاقة العضوية، تكتسي إعادة هيكلة الجانب الاقتصادي، عربيا، أهمية قصوى في ظل ما تشهده المنطقة من ظروف استثنائية تتسم بالفوضى وكثرة الصراعات. وهو ما دفع ثلة من المفكرين العرب إلى الإعلان عن ميثاق اقتصادي عربي يطمحون من خلاله إلى تحليل الواقع التنموي في الوطن العربي وآفاقه المستقبلية، في ضوء التغيّرات والتحولات المتسارعة على الصعيدين الدولي والإقليمي، وفق دراسة للباحث، عامر العمران، صادرة عن مركز الروابط للبحوث والدراسات الإستراتيجية.
الأربعاء 2015/08/12
إعادة الثقة إلى الشاب العربي تستوجب انتشاله من مستنقع البطالة واليأس

عمان - يعدّ الاقتصاد المحور الرئيسي للاستقرار السياسي في أي دولة في العالم، ومقياس نجاح الساسة في تطبيق العدالة والارتقاء بالمستوى المعيشي إلى المستوى الملائم للمواطن والمجتمع ككل.

والمنطقة العربية التي تعد من أغنى مناطق العالم من حيث الموارد الطبيعية والاقتصادية وتشكل رقما مهما جدا في موازين الاقتصاد العالمي، ما زالت تعيش أزمة تلو الأخرى نتيجة عوامل متعددة مثل غياب الإدارة السليمة والفساد، وربط المواقف السياسية بكل مناحي الحياة، ولاسيما الاقتصادية، ولذلك لم تحظ البلدان العربية بفرصة الازدهار الاقتصادي رغم هذه الوفرة في الموارد.

واليوم تبرز حاجة ملحة لإعادة رسم الواقع الاقتصادي في منطقة تعصف بها الصراعات السياسية والأزمات الاقتصادية، خاصة أنّ واقع التنمية العربية أضحى بحاجة إلى وضع خطة طريق تبين مسار الوطن العربي وتحدد آفاقه المستقبلية.

وبناء على هذه الضرورات جاءت فكرة إقامة الميثاق الاقتصادي العربي، الذي أقامه منتدى الفكر العربي، مؤخرا، في العاصمة الأردنية عمان، بحضور الأمير الحسن بن طلال.

ويشكل هذا الميثاق الاقتصادي العربي مدخلا تحليليا للواقع التنموي في الوطن العربي وآفاقه المستقبلية، في ضوء التغيّرات والتحولات المتسارعة على الصعيدين الدولي والإقليمي، وخاصة بعد الأزمات المالية التي شهدها العالم خلال السنوات الماضية وأيضا بعد مرحلة ما سمّي بـ”الربيع العربي”.

ضرورات المرحلة

الإدراك العميق لأهمية العمل العربي المشترك والتصدي لتحديات المستقبل التي تتطلب شراكة حقيقية تقوم على أسس العدل والمساواة في الفرص والحاكمية الجيدة والنزاهة، كلّها عوامل قادت عددا من الخبراء والمختصين إلى وضع الميثاق الاقتصادي العربي، ليكون بمثابة مرجعية فكرية وواجهات تحاول أن ترسم أُطرا قابلة للتطبيق المتدرج من التنمية القطرية إلى التنمية الإقليمية العربية المشتركة.

ويضع رئيس منتدى الفكر العربي، الأمير الحسن بن طلال، مثالا حيا لواقع الاقتصاد العربي، حيث يقول “إنه اقتصاد مكبوح نتيجة الأوضاع التي تجعله متوسطا في الغالب، مثل ما هو الحال في كلّ من الأردن والمغرب وتونس ومصر، وهو ما أطلق عليه مايكل سبنس اسم ‘مصيدة الدخل المتوسط’، حيث يتراوح دخل الفرد بين خمسة وعشرة آلاف دولار أميركي. وهو ما يجعل من هذه الدول عاجزة عن المنافسة مع الدول ذات الدخل المنخفض من جهة والدول عالية الدخل من جهة أخرى” .

الأمير الحسن بن طلال: الاقتصاد العربي مكبوح نتيجة أوضاع تجعله متوسطا في الغالب

وهنا تكمن أهمية هذا الميثاق، وفق وجهة نظر الأمير الحسن بن طلال، حيث يعتبر أنّ الغاية منه تتعلق بـ”تأطير إستراتيجية للتفكير في الطريقة التي نسهم بها مرة أخرى في الفهم والمعرفة الإنسانية ككل”.

الأمين العام لمنتدى الفكر العربي، محمد أبو حمور، أوضح بدوره “أن الميثاق الاقتصادي العربي يعبّر عما تتطلع إليه الأمة بأسرها من فتح نوافذ الضوء والأمل من جديد نحو صلاح الحاضر، وامتلاك تقرير مستقبل أجيالها الحالية والقادمة”.

وحول دلالة هذا التوقيت الذي تمّ فيه الإعلان عن الميثاق، يقول عضو المنتدى وعضو لجنة الميثاق، جواد العناني “لقد كانت توجهات الأمير الحسن بن طلال، واضحة، فنحن معشر المفكرين يجب أن نبقي جذوة الأمل متقدة مشتعلة حتى في أحلك الظروف وأكثرها ظلمة، خاصة في مثل هذه الظروف الصعبة التي تهز الوطن العربي أو عددا من أقطاره، وتفتح الأبواب مشرعة على احتمالات كبيرة ونظريات متعددة حول صيرورة الأمور واحتمالات التفتت والتشظي”.

وأضاف “أنّ الإشكالية الاقتصادية تبقى سببا فيما تشهده دولنا اليوم، فمن منا لم يلحظ أنّ سنوات النمو المرتفعة في الناتج القومي الإجمالي في مختلف الأقطار العربية، والتي سبقت الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، قد تزامنت مع توزيع سيئ للثروات والمداخيل، وارتفاع في نسب البطالة، خاصة في صفوف الشباب، وزيادة في نسبة الاقتصاد غير الرسمي، ومع تراجع في الأداء الإداري للحكومات ممثلا بكبر حجم القطاع العام، وتراجع التنافسية والإنتاجية، وزيادة الهشاشة في البنى الإنتاجية، وضعف الترابط والتبادل الاقتصادي العربي، وخاصة في المجالين الاستثماري والتجاري”.

وأوضح العناني “أنّ الفرضية المنهجية الثانية التي لا بد أن نتصدى لها في قراءة المشهد الاقتصادي العربي، كانت تتطلب أسلوبا جديدا في القراءة والتحليل وتشخيص المشكلات، بعد أن صدرت كثير من الأبحاث عن الاقتصادات العربية، وعلاقاتها الاقتصادية البيئية، وأسباب ضعف التعاون والتكامل البيني، وقد بقيت أدبيات تلك الدراسات تطارد عقولنا لسنوات طويلة”.

ودعا العناني في هذا الصدد إلى تطوير نظرة المحللين والدارسين للوطن العربي، موضحا أنّ هنالك مشكلات مشتركة بين الأقطار العربية، خاصة أنها جميعها تعاني من عدم كفاءة إدارة الموارد البشرية والطبيعية والمالية، وتعاني بطالة بين الشباب، وتراجعا في البيئة، وعجزا مزمنا في المياه، وهشاشة البنى الإنتاجية”، لافتا إلى أنّ الأمر ولا يقف عند هذا الحد، بل إنّ معظمها يعاني الربحية المفرطة، واعتماد غالبية الناس على القطاع العام في معاشهم. وأضاف متسائلا “ألا تكفي هذه الأمور لأن تكون دافعا من أجل تعزيز الاقتصاد العربي حتى يتصدى لمشكلاته الاقتصادية باقتدار؟ هذا هو بالتحديد جوهر مبادرتنا”.

الدوافع والأسباب

من بين الأسباب التي تقف وراء وضع الميثاق الاقتصادي العربي، يحتل الإدراك العميق لأهمية التصدي لتحديات المستقبل المكانة العليا في نظر واضعيه، انطلاقا من إيمانهم بأنه لم يعد بوسع أي دولة منفردة مواجهة التحديات الاقتصادية الكبرى دون وجود شراكة بين القطاع الخاص والعام. وتتوزع بقية الأسباب على جملة من النقاط أبرزها، أنّ المسألة الاقتصادية التي شكلت وقودا للثورات والاحتجاجات التي طالت عددا من الدول العربية وجب أن يتم إيلاؤها الأهمية القصوى.

الميثاق يلخص إدراكا عميقا لأهمية التصدي لتحديات المستقبل التي تتطلب شراكة حقيقية بين الدول العربية

كذلك يتعلق سبب آخر بإعادة تعريف مفهوم الأمن الاجتماعي وربطه بالاقتصاد من خلال ربطه بحاجات الناس المعيشية لأنه أساس الأمن الشامل. دافع ثالث يكمن وراء هذه الخطوة أساسه الإدراك بأنّ موقع الوطن العربي الاستراتيجي يفرض عليه إيجاد نوع من التعاون المشترك، إضافة إلى تغليب المصلحة الاقتصادية على الخلافات السياسية لما لها من آثار إيجابية على شعوب المنطقة، وكذلك تفادي المخاطر الناجمة عن استفراد المنظمات الدولية بكل دولة عربية على حدة.

ويلفت القائمون على المنتدى إلى أنّ حالة التراجع التي تشهدها دول المنطقة العربية وفق التصنيفات الاقتصادية الدولية، أضحت تقتضي حاجة ماسّة لإيجاد مؤسسات عربية ذات صبغة دولية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين. وكذلك أضحت الحاجة ضاغطة على استثمار القواسم العربية المشتركة بما يخدم مشروعا اقتصاديا عربيا مشتركا.

ومن بين أهم القطاعات الاقتصادية التي ركز عليها الميثاق نذكر؛ التحول الصناعي، التعليم، اللغة والتأليف والترجمة، المرأة، القوى العاملة، البحث العلمي والتطوير التكنولوجي، الشباب، الإبداع، الطاقة، المياه والبيئة، البنية التحتية، الحركة المجتمعية، التجارة البينية، الزراعة والغذاء والصحة.

خلاصة القول، لم يعد خافيا أنّ الوطن والمواطن العربي يعيشان اليوم تحديات جمة أدت إلى فرض أخرى أشد وطأة لا بدّ من مواجهتها، عبر التكاتف في جميع المجالات ولاسيما الاقتصادية، خاصة أنّ العصر يتسم بكونه عصر التكتلات الاقتصادية الكبرى، ولذلك فإنّ الحديث عن بناء الاقتصاد الوطني لكل دولة على حدة هو ضرب من المستحيل، خصوصا أن التحول إلى الاقتصاد الصناعي الاجتماعي هو حجر الزاوية لاستقرار الدولة الوطنية منفردة والدول العربية مجتمعة وتقدّمها لتكون جزءا فاعلا في الحضارة الإنسانية، لا مُستهلِكة لمنتجاتها.

وعليه خلص القائمون على منتدى الفكر العربي إلى أنه لا بد من تفعيل العمل العربي المشترك لترجمة تلك الأهداف على أرض الواقع، مؤكدين أنّ هذا يلقي على عاتق النخب السياسية والمثقفين وصناع القرار والإعلام مسؤولية تاريخية في ترسيخ مفاهيم هذا الميثاق الاقتصادي العربي، وإخراجه إلى النور من أجل مستقبل أفضل لدول المنطقة وشعوبها.

7