النوافذ الواهية

بيروت تتلقى اليوم، وفي هذا السياق وابلا من الابتكارات المعمارية الجديدة التي تُفرض على أهلها لمجرد أنها قادمة من دول يفترض أنها "أكثر تطورا".
الجمعة 2018/06/22
نوع من العزل عن المناخ الخارجي

تشهد الهندسة المعمارية المعاصرة تحولات كثيرة مرتبطة بمتغيرات البيئة المحيطة بها كما تتغير حاجات وأذواق ونوعيات البشر المقيمة، غير أن هذا لا يجعل منها تلقائيا أفضل ما يمكن تنفيذه لصالح الإنسان بشكل عام ولا سيما إذا تم تبنيها عشوائيا من قبل بلدان لا تمتلك، وربما لحسن حظها، نفس الظروف الاجتماعية والجغرافية/ المناخية التي تتميز بها البلاد التي ابتكرتها.

بيروت تتلقى اليوم، وفي هذا السياق وابلا من الابتكارات المعمارية الجديدة التي تُفرض على أهلها لمجرد أنها قادمة من دول يفترض أنها “أكثر تطورا”، من هذه الابتكارات الفذة الرائجة اليوم في العديد من الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة الأميركية المشهورة بأنها أمّ ناطحات السحاب، إقامة مبان تضم مكاتب أعمال مختلفة بنوافذ زجاجية واسعة “واهية” وكاذبة لا يمكن فتحها، مكاتب أشبه بمعتقلات تعتمد على نظام إلكتروني لتنظيم التهوية “الاصطناعية” وتعديل المناخ داخليا.

وإن كانت ناطحات السحاب، التي في معظمها إلى اليوم تضمّ مكاتب عمل أكثر من شقق سكنية، تتطلب هكذا نوع من العزل عن المناخ الخارجي فالمباني التي لا يتعدّى علوها 15 طابقا، هي في غنى عنها.

كما أن مدينة شرق أوسطية كبيروت تتميز بمناخها المعتدل على مدار السنة اعتاد أهلها على الشرفات المُطلة، وإن على الجنون المديني لا تستسيغ الترويض القسري المُتمثل بما يشبه معتقلات تضم سجناء/ موظفين لا يمكنهم الاتصال بمحيطهم الخارجي عبر سماعهم للشتائم التي يطلقها بين الفينة والأخرى المارة على بعضهم البعض، أو على ذاتهم في مناسبات وجودية فذّة أو عبر سماعهم لأصوات المنادين على بضائعهم، أو عبر الإحساس بالتبدلات المدينية الأخرى التي تشير إلى تقدم ساعات النهار من خلال خصائص الجلبة القادمة من الخارج.

أصبح العزل الذي وفرته الابتكارات المعمارية، عزلا صحيا/ ثوريا، إذ يحمي الخارج من التلوث الداخلي الذي يترعرع في رهاب الأماكن المغلقة برفقة زملاء قد لا تعبق منهم بشكل دائم رائحة الصابون العطر.

وتأخذنا هذه الفكرة بالذات إلى عمل فني رائع للفنان روني ماغريت حمل عنوان “مديح الجدلية”، حيث تظهر نافذة تنفتح إلى الداخل وليس إلى الخارج، ويظهر في اللوحة منزل مُكتمل بشبابيك تنسدل عليها ستائر سميكة، منزل قابع في عتمة الداخل.

هؤلاء “القابعون” كالأشياء وكما منزل روني ماغريت في عزل صحي لأسباب عبثية لا يمكنهم أيضا الاستجابة للتبدلات المناخية، كسماع صوت هطول الأمطار أو الرعد أو عبور النسائم أو وصلات قصيرة أو طويلة من حناجر الحمام العابر أو المستوطن في مكان ما على مقربة منهم.

الأمر يصبح أكثر تفاهة وبلاهة عندما تتبنى مؤسسات كبرى هذا النمط الهندسي العصري حيث المباني تشرف على مساحات خضراء مهما بلغ صغرها، تنمو فيها الأشجار وتعشش بين أوراقها الخضراء العصافير والأزهار.

ويعتبر المدافعون العالميون عن هذا النوع من الشبابيك الواهية أن لها أهمية إضافية غير التحكم بالمناخ الداخلي، فهي تمنع الموظفين، في حال رغبوا في أن يرموا ببعضهم بعضا من النوافذ، أو أن يسقطوا سهوا، أو أن ينتحروا، غير أنها نوافذ تمنع أيضا من تقديم “منافذ” افتراضية إلى الخارج في حال حدث حريق أو تسرّب غاز ما.

هذه الذهنية التي تقف خلف هكذا تطور هندسي تريد أن تصنع من المباني سفنا فضائية مُحكمة الإقفال ومُحفزة للرغبة الإنسانية الطبيعية في الانعتاق المستحيل من “السفينة” إلى خارجها، وإن كان مُميتا في وثبة تأخذنا من جديد إلى عمل فني مميز للفنان البلجيكي روني ماغريت يحمل عنوان “وثبة إيمان”.

ويظهر في هذا العمل باب وقد اخترقه كائن ما إلى الخارج، حيث يسطع هلال خجول في زرقة ما بعد الغروب، أو.. زرقة انتهاء ساعات الدوام.

17