النوايا الأميركية الحسنة لا تكفي لتطمين العرب على أمن منطقتهم

يُثير توصّل الولايات المتحدة الأميركية وإيران إلى اتفاق يُنهي أزمة البرنامج النووي الإيراني والخلافات الأميركية الإيرانية في الرابع عشر من يوليو الماضي، تساؤلات عن تداعيات الاتفاق على العلاقات بين الولايات المتحدة ودول الخليج العربي التي تتخوف من أبعاد الاتفاق النووي، ليس فقط لاستمرار الشكوك في مدى نجاحه في تحجيم طموحات إيران النووية والتزامها ببنوده، ولكن أيضًا للانعكاس الإيجابي المتوقع للاتفاق على علاقات إيران الدولية بما يساعد في توسيع نفوذها الإقليمي، الأمر الذي يُمثل مصدر الخطر الأكبر للدول الخليجية، وفق دراسة للباحثة إيمان أحمد عبدالحليم، صادرة عن المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية بالقاهرة.
الجمعة 2015/08/21
تهديد إيران يكمن أساسا في ميليشياتها التي تهدد أمن الدول العربية

الرياض - تتركّز معضلة الولايات المتحدة الأميركية في علاقتها بدول الخليج العربية بعد التوقيع على الاتفاق النووي الإيراني حول سعيها للحفاظ على الروابط القوية التي تجمعها بتلك الدول على المستويات السياسية والاقتصادية والإستراتيجية المختلفة، وموازنة تلك العلاقة مع واقع وجود إيران كقوة إقليمية في المنطقة، غير أنّ دول الخليج العربية على الجانب الآخر، وخاصةً المملكة العربية السعودية، ترى أن الولايات المتحدة اختزلت مخاوفها خلال المفاوضات في المسألة النووية، في حين أن ذلك لا يُعد سوى عرض لمشكلة أكبر، هي سياسات إيران التي تضرُّ بأمن المنطقة واستقرارها.

وقد شهدت المفاوضات التي سبقت الاتفاق النووي، تلكؤا واضحا من قبل الإدارة الأميركية التي لم تُحاول ربط ملف إيران النووي بتحقيق التغير المطلوب في سياساتها الإقليمية، بل على العكس من ذلك، فقد تعمّد الرئيس الأميركي باراك أوباما إثارة غضب الخليجيين، خلال مقابلة صحفية أجراها مع صحيفة نيويورك تايمز، يوم الإعلان عن التوصل إلى الاتفاق النووي، حيث قال “لا تحكموا عليَّ من خلال إن كانت هذه الاتفاقية ستُحدث تحولا في إيران، أو ستُنهي سلوكها العدواني تجاه جيرانها العرب، أو ستُحدث انفراجة في العلاقة بين السنّة والشيعة، اُحكموا عليَّ من خلال شيء واحد: هل ستمنع هذه الاتفاقية إيران من امتلاك سلاح نووي خلال العقد المقبل؟”.

ويؤكّد كلام أوباما أنّ فصل التقني عن السياسي في المفاوضات النووية كان أمرًا متعمدًا من جانب الإدارة الأميركية، ذلك من جانب. ومن جانب ثانٍ، يفيد بأنّ الاتفاق النووي مع إيران إنما يعني أن القوى الدولية شاءت أن تعترف بصعودها كقوة إقليمية في الشرق الأوسط، وهو ما لا يتعارض بالضرورة مع مصالح الدول الكبرى خارج المنطقة؛ فإذا كانت روسيا والصين تؤيدان عمومًا سياسات إيران، فإن الولايات المتحدة تُنسّق عن بُعد مع قوات الحرس الثوري الإيراني التي تقحم نفسها في العراق بتعلة محاربة تنظيم “الدولة الإسلامية”، وقد تتطور السياسة الأميركية تجاه إيران مستقبلا لتقوم على تقديم حوافز مادية مقابل التعاون معها في المسائل الأمنية، ولتصبح “شرطي أميركا في الخليج”، حسب التعبير الذي استخدمه روبرت فيسك في مقال صدر له بصحيفة “الإندبندت البريطانية” في 15 يوليو 2015، الذي أوضح فيه أنّ الاتفاق النووي سيُضاعف شكوك العرب في أن الولايات المتحدة أخذت جانب إيران التي لا تظهر لهم خيرا ولا تضمره.

ذلك أن الاتفاق المُوقَّع في فيينا قد يُتيح لإيران تحييد مواقف القوى الكبرى تجاه قضايا المنطقة الرئيسية، بما يسمح لها بتوسيع نفوذها على حساب دول الخليج العربية، وفي مقدمتها المملكة السعودية، المنافس الإقليمي الأكبر لإيران، وأكثر الدول الخليجية ريبة من أبعاد الاتفاق النووي.

واشنطن تعمدت التركيز على التقني وإهمال السياسي منذ بداية المفاوضات النووية مع إيران

استراتيجية الطمأنة الأميركية

كثفت واشنطن من جهودها منذ التوقيع على الاتفاق النووي، في محاولة لمعالجة المخاوف الخليجية، لأجل طمأنة حلفائها بشأن بنود الاتفاق وتداعياته، سواء من خلال اتصالات مسؤولي الإدارة الأميركية، وعلى رأسهم أوباما، بزعماء الخليج، أو من خلال زيارة وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر للمملكة السعودية في 21 يوليو المنصرم، في إطار جولته الشرق أوسطية، وكذلك لقاء وزير الخارجية الأميركي جون كيري بنظرائه في دول مجلس التعاون الخليجي بالدوحة في 3 أغسطس الجاري، للبحث في قضايا المنطقة الرئيسية، وعلى رأسها أبعاد الاتفاق النووي الموقّع مع إيران.

ومن خلال تلك الفعاليات الثلاث، يمكن الوقوف على ملامح الإستراتيجية الأميركية تجاه دول الخليج العربية في ما بعد الاتفاق النووي، والتي تتلخص في:

*أولا تعزيز الرقابة على البرنامج النووي

حيث حاولت واشنطن معالجة المخاوف الخليجية من تداعيات الاتفاق النووي على الأمن في المنطقة، بالتشديد على أن الاتفاق هو الذي يضمن ذلك بإتاحته الرقابة على النشاط النووي لإيران. ويتضح هذا الموقف من تصريحات كيري، خلال لقائه وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، حيث اعتبر أنّ الاتفاق “التاريخي”، وفق تعبيره، الموقّع مع إيران يُساعد في ضمان الأمن والاستقرار في كامل منطقة الشرق الأوسط، موضحًا أنه إذا تم تطبيق اتفاق فيينا بالكامل فإنه سيجعل دول المنطقة أكثر أمانًا عما كانت عليه من قبل.

وهنا تجدر الإشارة إلى الموقف المشترك الذي سبق التعبير عنه في القمة الخليجية الأميركية التي انعقدت بكامب ديفيد، في مايو الماضي، والذي أعلن “أن اتفاقًا شاملا وقابلا للتحقق منه، ويعالج بصفة كاملة الهواجس الإقليمية والدولية بشأن برنامج إيران النووي؛ هو من مصلحة أمن دول مجلس التعاون وكذلك الولايات المتحدة والمجتمع الدولي”.

* ثانيًا تأكيد الالتزام الأمني تجاه الخليج

مع تشديد دول الخليج على أن الاتفاق النووي يجب أن يكون سببًا في الاستقرار وحسن الجوار وليس مطيّة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول، تعهدت الولايات المتحدة بأنه في حال وقوع مثل هذا العدوان أو التهديد به، فإنها على استعداد للعمل مع شركائها الخليجيين لتحديد العمل المناسب بشكل عاجل، واستخدام جميع الوسائل المتوفرة لدى الجانبين، بما يشمل إمكانية استخدام القوة العسكرية، وذلك إلى جانب تكثيف التعاون المشترك لمجابهة نشاط التنظيمات الإرهابية وخصوصًا تنظيم “الدولة الإسلامية” والقاعدة. وتم التأكيد، سواء خلال زيارة كارتر للسعودية أو زيارة كيري لمجلس التعاون، على ما سبق التوافق عليه في كامب ديفيد بأن الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون تشترك في مصالح تاريخية وعميقة في أمن المنطقة، بما في ذلك ضمان الاستقلال السياسي وسلامة أراضي دول المجلس من أي عدوان خارجي.

القيادة الإيرانية تواصل التصريح بأنها مواصلة على نهج التدخل في الشؤون الداخلية العربية

* ثالثا الإسراع بجهود تسليح دول الخليج

رغم أنّ الإدارة الأميركية لم تصل إلى حد عرض معاهدة دفاع رسمية، إلا أنّها أعلنت عن تقديم ضمانات أمنية واسعة النطاق في مجال الدفاع المشترك، وخصوصًا في مجال تعزيز الأمن البحري وأمن الإنترنت، مع موافقة الإدارة الأميركية على تسريع عمليات نقل الأسلحة والصواريخ إلى حلفائها في الخليج، وخصوصا الضرورية منها، والحديث في هذا الصدد عن إمكانية دمج الأنظمة الدفاعية الإقليمية من الصواريخ البالستية، وزيادة عدد التدريبات (العسكرية) المشتركة، والبدء بعمليات تدريب محددة جدًّا تهدف إلى تبادل وتقاسم المعلومات الاستخباراتية. وقد وافقت بالفعل الخارجية الأميركية في 29 يوليو 2015 على بيع صواريخ “باتريوت” الاعتراضية للسعودية بتكلفة متوقعة 5.4 مليار دولار، إلى جانب ذخيرة لعدد من أنظمة الأسلحة بقيمة 500 مليون دولار.

* رابعًا التوافق حول القضايا الإقليمية

عملت الولايات المتحدة على تحقيق التوافق السياسي المنشود مع دول الخليج العربية بشأن القضايا الرئيسية في الشرق الأوسط، والبرهنة على عدم تأثير الاتفاق النووي على تلك القضايا والملفات، حتى أنّ كيري قد استبق زيارته للدوحة بتصريحات أكد فيها أن طهران كانت “عدوا للولايات المتحدة في الماضي، وما زلنا أعداء ولسنا حلفاء أو أصدقاء، نحن ما زلنا خصمين وهناك الكثير من القضايا العالقة”، مضيفًا أن “إيران ستبقى معزولة بسبب دعمها للإرهاب، وبسبب دعمها لتجارة السلاح، ودعمها للحوثيين، ودعمها لحزب الله (اللبناني)، لأنه منظمة إرهابية، وسنصد التحركات التي تدعمها إيران في دول أخرى”.

وفي إطار التوافق مع رؤى الخليج بشأن قضايا الشرق الأوسط، كان تأكيد كيري، خلال لقائه بوزراء خارجية دول الخليج، أن الرئيس السوري بشار الأسد ونظامه فَقَدَا الشرعية منذ وقت طويل، معلنًا دعم بلاده للمعارضة المعتدلة في سوريا وللحرب على “تنظيم الدولة” للتخلص من الملاذ الآمن الذي يتمتع به هناك، ومشددًا في الوقت نفسه على الحاجة إلى حل سياسي للنزاع بين المجموعات المسلحة والحكومة السورية، في تعارض واضح مع الرؤية الإيرانية حيال هذا الملف.

ويرى مراقبون أنّ نجاح الإستراتيجية الأميركية المتبناة تجاه دول الخليج ليس مضمونًا على نحو كامل، خاصّة أنّ التحفظات السعودية والبحرينية على السياسات الأميركية تجاه إيران، المتهمة بتغذية حالة عدم الاستقرار الأمني في عموم المنطقة وخصوصًا في البحرين ما زالت قائمة ولها ما يبررها على أرض الواقع. وتكفي الإشارة هنا إلى أن الرئيس الأميركي نفسه كان قد اعترف بأن “إيران ما زالت تمثل تحديات لمصالح أميركا وقيمها في المنطقة والعالم حتى من دون سلاح نووي”، مشيرًا إلى أنه “لا يتوقع أن تحد إيران من تدخلاتها الإقليمية وتحديدًا في العراق وسوريا، أو دعمها للإرهاب كحزب الله والحوثيين”، مضيفًا أن “الاتفاق النووي لن يحل كل مشكلات العالم مع إيران”.

ومن جهتها تواصل القيادة الإيرانية التصريح بأنها مواصلة على نهج التدخل في الشؤون الداخلية العربية، الأمر الذي تبدى في تصريحات وزير الخارجية الإيراني نفسه خلال جولته الخليجية، التي يُفترض أنّ هدفها الأول كان تحقيق التواصل مع عواصم الخليج وطمأنتهم بشأن نوايا وتحركات إيران، حيث قال جواد ظريف “إن ما تحتاجه المنطقة ليس تغييرًا في سياسة إيران الخارجية، وإنما في السياسات المعتمدة تجاه طهران”، وهو ما يتواءم وتصريحات المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، الذي أكد فور الإعلان عن الاتفاق النووي أن ذلك الاتفاق “لا يشير إلى أي تحول أكبر في علاقات إيران مع واشنطن أو بشأن سياساتها في الشرق الأوسط”. وكل ذلك إنما يُضاف إلى أسباب الشكوك في مدى نجاح الإستراتيجية الأميركية المتبعة، سواء تجاه إيران أو تجاه دول الخليج العربي.

6